لماذا لم ينخرط الحوثيون في الحرب مع إيران؟
تحليلات عدة ذهبت مذاهب مختلفة في قراءة الأسباب التي حالت بين جماعة الحوثي والانخراط في الحرب الراهنة مع إيران، كحال بقية الفصائل في العراق ولبنان؛ لاسيما وأن الجماعة أعلنت من خلال أكثر من مستوى جهوزيتها لذلك،
وآخرها ما صدر عن زعيم الجماعة، عبد الملك الحوثي، الخميس، مؤكدًا وقوفهم مع إيران وجهوزيتهم لكل تطورات المعركة؛ إلا أن الجماعة ما زالت تبدي تحفظًا وتريثًا شديدين.
وكانت وسائل إعلام إسرائيلية قد نشرت أخبار رصد وأخرى تقديرات لاستعدادات للحوثيين باتجاه المشاركة، منها «قناة 14» العبرية، التي تحدثت في تقرير على موقعها الإلكتروني، عن رصد عسكري إسرائيلي لتحركات منصات إطلاق صواريخ في اليمن يرجح أنها تابعة للحوثيين.
ورجحت القناة، أيضًا، احتمال أن يشن الإيرانيون والحوثيون وحزب الله هجومًا ثلاثيًا على إسرائيل. لكن القناة حذفت التقرير بعد دقائق من نشره.
فيما نشرت هيئة البث الإسرائيلية 7 أذار/مارس أن تقديرات أمريكية تشير إلى استعداد الحوثيين لمهاجمة حاملة الطائرات «جيرالد فورد» التي غادرت البحر المتوسط إلى البحر الأحمر عبر قناة السويس، الخميس، الماضي.
وفي وقت سابق، نفت جماعة الحوثي الأنباء التي تداولتها بعض الوسائل الإعلامية حول إطلاق نحو 7 طائرات مسيّرة من محافظة صعدة شمالي اليمن باتجاه حقل الشيبة النفطي في السعودية،
مؤكدة أن هذه الأخبار لا أساس لها من الصحة، وأنها مجرد أكاذيب تهدف إلى تضليل الرأي العام، مشددة على عدم تورطها بأي هجمات حديثة على الأراضي السعودية.
وبصرف النظر عن التصريحات الإيرانية عن «مهمة خاصة» و«جبهة جديدة» تتعامل جماعة الحوثي مع قرار الانخراط بالحرب بحذر وتريث إذ أن قرار المشاركة بالغ الحساسية بالنظر لما سيترتب عليه من خسائر؛
كما أن وضعها مختلف تمامًا عن فصائل المقاومة العراقية التي تقتصر هجماتها على المصالح والقواعد الأمريكية هناك، وكذلك الأمر بالنسبة لحزب الله اللبناني؛ إذ أن هجماته ضد الاحتلال الإسرائيلي، وهو في حالة حرب معه؛
أما الحوثيون فلا قواعد أمريكية في اليمن ولا حدود لليمن مع إسرائيل، كما أن علاقة الجماعة بطهران مختلفة عن باقي الفصائل من حيث الاستقلال في اتخاذ القرار.
لكن؛ ماذا لو انخرط الحوثيون بهذه الحرب؟
في قراءة النتائج المتوقعة يمكن التعرف إلى الأسباب التي تحول دون انخراطها حتى الآن.
ما طبيعة الانخراط الذي من الممكن أن يُقدم عليه الحوثيون؟
هناك سيناريوهان: الأول: استئناف ضرباتهم في العمق الإسرائيلي، وهجماتهم على القطع الحربية البحرية الأمريكية في المنطقة وغيرها من السفن المتجهة إلى إسرائيل في البحر الأحمر وخليج عدن والبحر العربي، وبالتالي استئناف التحكم بمضيق باب المندب.
وهذا السيناريو سيترتب عليه ردعًا إسرائيليًا أمريكيًا، وربما سيكون مدعاة لتشكيل تحالف صد دولي بذريعة حماية الملاحة، وسيكون الردع الأمريكي، في حال لم يتشكل تحالف، أعنف مما كان عليه خلال العام الماضي في حملة «الفارس الخشن»، وستكون الخسائر فادحة داخل الجماعة، وفي البُنى التحتية الحكومية.
كما أن استهداف القطع الحربية الأمريكية سيمثل نقضًا لاتفاق رعته سلطنة عُمان بين الحوثيين وواشنطن في أيار/مايو 2025، والذي يقضي بتوقف استهداف السفن الأمريكية مقابل توقف القصف على مناطق سيطرة الجماعة،
وبالتالي فاستئناف القصف سيترتب عليه قصفًا أمريكيًا؛ وتزامن هذا القصف مع المعركة ضد إيران سيكون معه الردع الأمريكي شديدًا بموازاة القصف الإسرائيلي؛
إذ أن إسرائيل ستنتهز الفرصة لاستئناف استهداف مقدرات الجماعة عوضًا عن هجماتها التي تستهدف المواقع المدنية والبنى التحتية؛ وهو ما سيتسبب في غضب شعبي محلي، وهو تحد ثان بعد القصف متعدد الأطراف.
السيناريو الثاني: أن يتمدد انخراط الجماعة في الحرب، ويصل إلى استهداف القواعد الأمريكية في المنطقة، وهذا سيترتب عليه غضب إقليمي قد يفضي إلى فقدان المكاسب التي تحققت في السنوات السابقة من المفاوضات، وما آلت إليه التسوية،
مع ترقب الجماعة لاستئناف المفاوضات بهدف استكمال المشاورات بشأن خريطة الطريق، إلا أن الانخراط في الحرب واستهداف القواعد الأمريكية قد يتسبب في انغلاق مسار التسوية،
وقد يتجه الأمر إلى دعم دولي لطرف الحكومة في حرب شاملة في اليمن؛ وهذا لن يكون في صالح الجماعة، وهو تحد ثالث تدركه الجماعة جيدًا.
ثمة تحد رابع؛ وهو أن انخراط الحركة في الحرب سيؤثر على سردية مشاركتها في نصرة قطاع غزة ضد العدوان الإسرائيلي؛ فهجماتها في العمق الإسرائيلي واستهداف السفن المتجه إلى إسرائيل كان بهدف إسناد المظلومية في غزة؛
بينما في الحرب الراهنة فإيران تمتلك من الإمكانات ما يمكنها من الدفاع عن نفسها، وبالتالي ليست بحاجة لصواريخ الحوثيين؛
إذ أن إيران تطلق في اليوم الواحد عشرات الصواريخ، وبالتالي فصاروخ أو ثلاثة يوميا للحوثيين لن يحقق أي دعم لإيران بقدر ما يمثل نزفًا سياسيًا للحوثيين تخسر معه الجماعة كثيرًا من المكاسب.
كما يجدر التنويه أن خصوم الحوثيين ينتظرون بفارغ الصبر انخراطهم في الحرب؛ فهذه ستعزز من انحياز المجتمع الإقليمي والدولي مع طرف الحكومة؛
وبالتالي لن يكون أمام اليمن إلا أن يشهد حربا شاملة يتحمل تبعاتها اليمنيون الذين يعتقدون أنهم قد أخذوا كفايتهم من الحرب، وصاروا يرفضون أن يشهد بلدهم حربا آخر؛
لأنهم يعرفون أنهم سيكونون وقودها، كما كان حالهم في حرب الثمان السنوات الماضية التي ما زال اليمنيون يدفعون ثمنها جوعًا ونزوحًا وتشردًا.
مجازفة
من وجهة نظره، يتوقع أستاذ علم الاجتماع السياسي في مركز الدراسات والبحوث اليمني، عبد الكريم غانم، أن يتمهل ويتريث الحوثيون قبل اتخاذ قرار المشاركة.
وقال لـ«القدس العربي»: «بعد الخسائر العسكرية الكبيرة التي تلقاها محور المقاومة، خلال العام 2025 وصولًا إلى الحرب الدائرة حاليًا، والتي استهلت باستهداف المرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي والعشرات من القيادات السياسية والعسكرية في إيران،
من المتوقع أن يتمهل الحوثيون قبل اتخاذ قرار المشاركة، وأن يتعاطوا مع المستجدات الراهنة بحكمة قبل أن يقٰدموا على الانخراط في مساندة إيران».
ويعتقد غانم أن «تأثير مشاركتهم عسكريًا على إسرائيل وأمريكا سيكون محدودًا لكن كلفتها على الحوثيين لن تكون هينة، لاسيما وأنهم في حروب شبه متواصلة، استنزفت الكثير من ترسانتهم العسكرية، ويخضعون حاليا لحصار يحد من قدرتهم على استيراد الاسلحة والذخائر وقطع الغيار».
وأشار إلى أهمية الأخذ في الاعتبار «أن علاقة حركة الحوثيين بالنظام الإيراني ليست علاقة تبعية مطلقة، كما هو حال حزب الله اللبناني والفصائل الشيعية في العراق،
فالحوثيون لديهم رفاهية تأجيل المشاركة في الحرب مع إيران، فهم يتمتعون بهامش استقلال واسع عن النظام الإيراني، وعلاقتهم به تتسم بالبرغماتية والمرونة، فما يربطهم به ليس علاقة أيديولوجية تتسم بالتبعية المطلقة، بل علاقة نفعية أقرب إلى الندية».
وقال إن «من أولوياتهم في الوقت الراهن الحفاظ على ما بحوزتهم من أسلحة، وتجنب الدخول في مواجهة عسكرية غير متكافئة، ومحدودة التأثير، خاصة وأن الحركة الحوثية مصنفة أمريكيًا ضمن الجماعات الإرهابية الأجنبية،
الأمر الذي يجعل من السهل أمام إدارة ترامب حشد تحالف دولي لمساندته في هذه الحرب، بحجة محاربة الإرهاب وضمان أمن الملاحة في أعالي البحار،
ففي اللحظة الراهنة أي تسرع للانخراط في الحرب من جانب الحوثيين قد يفضي إلى التضحية بما حققوه من مكاسب طوال السنوات الماضية، لاسيما وأن ترسانتهم الصاروخية ومخزوناتهم من سلاح الجو المسير لم يعد على ما يرام،
واستهلاك ما تبقى من مخزون هذه الأسلحة قبل التحقق من مدى قدرة النظام الإيراني على الصمود سيكون مجازفة في غير محلها».
ويرى «أن المحددات الرئيسية لمشاركة الحوثيين من عدمها هي مدى قدرة النظام الإيراني على الصمود وامتصاص الضربات الأمريكية الإسرائيلية، ومدى نجاحه في جر خصومه إلى حرب استنزاف طويلة الأمد،
ففي هذه الحال قد تجبِر الولايات المتحدة الأمريكية بعض حلفائها، لاسيما الخليجيين، على المشاركة في الحرب ضد إيران،
وهنا ستكون المشاركة العسكرية المباشرة للحوثيين مرجحة، لا لمجرد تسجيل موقف داعم لطهران وحسب،
بل كذلك لأن مشاركتهم في هذه الحالة سيكون لها جدوى عسكرية، من خلال استهداف دول الخليج المجاورة لليمن، واستهداف السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، لرفع كلفة الحرب عالميًا إلى أكبر قدر ممكن، من خلال التأثير على سلاسل الإمداد، وأسعار النفط».
وقال إن «الحوثيين ينتظرون نجاح إيران في كسر التفوق التكنولوجي الأمريكي الإسرائيلي، وتحقيق قدر مقبول من توازن القوى، يصبح معه وصول إمدادات الأسلحة لمناطق سيطرتهم ممكنًا، ومن دون وصول الحرب إلى هذا المستوى يبقى انخراط الحوثيين في الحرب نوع من المجازفة غير محسوبة العواقب».
العامل الداخلي
فيما يعتقد الصحافي اليمنيّ، معين النجري، أن «هناك عدة عوامل جعلت جماعة الحوثي تتعامل بحذر مع الحرب ولم تسارع حتى الآن، في القيام بأي نشاط قد يصنف مشاركة فعلية في الحرب كاستهداف السفن في البحر الأحمر وباب المندب او إطلاق الصواريخ والطيران المسيّر على الكيان الإسرائيلي أو حتى استهداف مصالح أمريكية في دول الجوار».
وأوضح «من هذه العوامل، ما هو متعلق بالمشهد اليمني الداخلي، فالجماعة تدرك بإن الوضع العسكري في المناطق التي تسيطر عليها الشرعية قد شهد تغيرات كبيرة مثل دخول قوات جديدة كقوات درع الوطن وقوات الطوارئ ذات العقيدة السلفية،
وأيضًا محاولة توحيد جميع الفصائل تحت قيادة واحدة،
وهذا جعل الجماعة تشعر بتعاظم خطر القوات التابعة للشرعية، ولذلك فمن الطبيعي أن يكون تركيزها على الداخل والاستعداد لحرب ربما تكون قريبة».
ويرى بالإضافة إلى ذلك «أن تدهور الوضع المعيشي للمواطنين بشكل غير مسبوق يشكل ضغطا كبيرًا على الجماعة، وانخراطهم بالحرب الإقليمية سيجعل اليمن هدفًا للعدوان الأمريكي والإسرائيلي سواء العسكرية أو إجراءات وعقوبات قد يضاعف من معاناة الناس».
وأشار إلى ما سمّاها «العوامل الخارجية، فهناك اتفاق بين جماعة الحوثي وأمريكا والذي على أساسه تم إيقاف الهجمات الأمريكية على الجماعة مقابل توقف جماعة الحوثي عن استهداف القوات الأمريكية والسفن التجارية الأمريكية أيضا، والجماعة حريصة على تجنب القصف الأمريكي».
وقال: «هذا يعني أنها في حال شاركت في الحرب لن يكون أمامها سوى استهداف الكيان الإسرائيلي، وفي ظل استقبال الكيان لكل تلك الصواريخ والطيران المسير التي تطلقها إيران بصورة شبه يومية فإن استهداف إسرائيل بالصواريخ والطيران المسير الحوثي لن يحدث ذلك التأثير الكبير في معادلة الحرب، وذلك لبُعد المسافة بين اليمن والأراضي المحتلة ولمحدودية عدد الصواريخ والطيران الذي يمكنه قصف إسرائيل مقارنة ما تستقبله من إيران».
وخلص النجري متوقعًا «في حال استمرت الحرب لوقت أطول، أن تنخرط الجماعة في الحرب من خلال استئناف استهدافها لإسرائيل سوى عن طريق قصف الأراضي المحتلة أو استهداف مصالحها في البحر الأحمر».
أحمد الأغبري