الحوثيون يلوحون بالحرب... تعبئة عامة لانتزاع مكاسب سياسية
الرأي الثالث
يعود الحوثيون إلى التلويح بخطاب التصعيد العسكري في اليمن، بما قد يعني طيّ صفحة "اللاحرب واللاسلم" التي خيّمت على البلاد لسنوات، والذهاب نحو مواجهة عسكرية واسعة النطاق.
وفي السياق الميداني، أعلنت قيادة ما يسمى بـ"قوات التعبئة العامة" التابعة لجماعة الحوثيين، في بيان صدر مساء الاثنين، عن رفع جهوزيتها الكاملة والفورية لترجمة توجيهات زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي، لرفد جبهات القتال وإسناد الجيش بالمقاتلين، تحت لافتة "مواجهة قوى العدوان، وطرد المحتلين، وانتزاع حقوق الشعب اليمني بإنهاء الحصار واستعادة الثروات".
وكشفت التعبئة العامة عن حجم قوتها البشرية المدربة والمسلحة، مشيرة إلى أنها بلغت مئات الآلاف ومئات الألوية العسكرية التعبوية الشعبية التي وُضعت رهن إشارة القيادة للتحرك في أي لحظة
لافتة في الوقت ذاته إلى أن عمليات التدريب والتشكيل الجارية تسير بآلية تنسيق وربط كاملين مع القوات المسلحة على كافة المستويات العسكرية، ما يعكس توجهاً لتثبيت هذه القوات الرديفة ذراعاً قتاليةً أساسية في أي مواجهة مرتقبة.
وجاء بيان قوات التعبئة بمثابة ترجمة ميدانية لخطاب تصعيدي متشدد أطلقه زعيم الجماعة بمناسبة العام الهجري الجديد، وهو الخطاب الذي رسم فيه ما يشبه "خريطة طريق" لانتزاع ما وصفه بالسيادة والحرية الكاملة، وبما يشمل إنهاء الحصار والتبعية والتدخل في الشؤون الداخلية.
واللافت أن هذا التهديد بالتصعيد العسكري من قبل الجماعة لا يمكن فصله عن التطورات الأخيرة المتعلقة بالتفاهمات بين إيران والولايات المتحدة، والتي أعادت الأنفاس لحلفاء طهران في المنطقة
وهو ما يمكن قراءته بوضوح من خلال إشادة قوات التعبئة الحوثية بما وصفتها "الانتصارات العظيمة التي حققتها الجمهورية الإسلامية في إيران في مواجهة طاغوت العصر أميركا وإسرائيل"
مع تأكيدها على "معادلة وحدة الساحات"، والوقوف خلف زعيم الجماعة بوصفه جزءاً من هذه المعادلة وبجهوزية دائمة للإسناد.
محاولة جديدة لخلط الأوراق
هذا التناغم بين التهديد الإعلامي والسياسي والتحشيد العسكري على الأرض، والذي سارع مجلس النواب في صنعاء (الخاضع للجماعة) لمباركته بوصفه "رؤية استراتيجية متكاملة في مرحلة حسّاسة من تاريخ المنطقة"، يضع التحالف والولايات المتحدة أمام معادلة مواجهة متجددة
ما ينذر بتحوّل العاصمة صنعاء ومناطق سيطرة الجماعة إلى ساحة استنفار شعبي وعسكري مفتوح، يهدد بنسف ما تبقّى من تفاهمات هشة وإعادة خلط الأوراق الإقليمية والمحلية من جديد.
البيانات والمواقف المعلنة التي أصدرها الحوثيون والتي تهدد بالتصعيد العسكري وإشعال الجبهات مجدداً، لم تتوقف مضامينها عند حدود التلويح باللجوء إلى خيار الحرب،
بل أرادت الجماعة من خلالها إيصال رسائل سياسية وإعلامية وعسكرية متداخلة، مفادها أن رسالة التهديد لا تستهدف الداخل اليمني فحسب بل تتعداه إلى الخارج،
عبر التأكيد أن القوة العسكرية التي جُهّزت خلال الفترة الأخيرة تحت مسمى "دورات طوفان الأقصى" هي جزء من حلف عسكري إقليمي ينتشر في المنطقة تحت يافطة "وحدة الساحات".
كما سعى الحوثيون إلى التأكيد على الطابع العقائدي للقوات التي جرى إعدادها والتي تغلغلت داخل القبيلة اليمنية، ما يعني أن أي جولة جديدة من الحرب ستمتد على كامل التراب اليمني
بعد أن نجحت الجماعة في عسكرة المجتمع وتحويل حالة الاستنفار إلى بنية مؤسسية دائمة،
وبموجب ذلك، فإن هذه القوات ستعمل على محورين: أولهما عسكري يقوم على التنسيق والربط الكاملين مع القوات المسلحة التابعة للجماعة على كافة المستويات
وثانيهما أمني يتحرك من خلاله عناصرها داخل المجتمع نفسه، وبتبعية مباشرة للقيادة الدينية للجماعة بعيداً عن التراتبية والنظامية الموجودة في الجيوش التقليدية.
وفي هذا السياق، ظلّ توظيف الخطاب الديني ملازماً لأدبيات الجماعة عبر اللعب على العواطف، والاستمرار في اتخاذ القضية الفلسطينية يافطة لإشعال الحرب بين اليمنيين أنفسهم،
إذ التزم الحوثيون بشعار "طوفان الأقصى" عنواناً عريضاً للدورات العسكرية التي نُفّذت من خلالها عمليات التعبئة والتجنيد والتحشيد، والحديث المستمر في بيان قوات التعبئة عن "نصرة الشعب الفلسطيني" وتوظيفه رافعةً للمشروع المحلي.
وعلى الجانب الآخر، أراد الحوثيون من خلال خطاب التهديد بالتصعيد عسكرياً إيصال رسالة ذات وجهتين مزدوجتين؛ فمن خلال الحديث عن "انتزاع حقوق الشعب اليمني، وطرد المحتلين وإنهاء الحصار"
تبرز رسالة تهديد وابتزاز للسعودية، والتي تُحمّلها الجماعة في خطابها السياسي والإعلامي المسؤولية الكاملة عن توقف صرف رواتب الموظفين في مناطق سيطرتها، وتطالبها بالتزامات رئيسية، في مقدمتها دفع المرتبات من عائدات النفط والغاز اليمني، والرفع الشامل للقيود عن الموانئ ومطار صنعاء.
كما يتضمن هذا الخطاب في بعده الآخر، تهديداً مبطناً باستخدام القوة ضد الأصوات المطالبة بالرواتب في مناطق سيطرة الجماعة، واعتبار تلك المطالب جزءاً من "العمالة والخيانة". وهو خطاب تتبناه قيادات عليا في صنعاء
إذ ظهر القائم بأعمال رئيس حكومة الحوثيين (غير المعترف بها دولياً)، محمد مفتاح، في خطاب متلفز وهو ينتقد الأصوات التي تشتكي الجوع، داعياً المواطنين إلى العمل دون مقابل، وهو ما أثار حالة من الحنق الشعبي المتزايد الذي ترى الجماعة ضرورة التعامل معه عبر التلويح بفتح جبهات عسكرية تعفيها، ولو مؤقتاً، من الاستحقاقات والالتزامات الداخلية.
ومع استمرار توقف الرواتب، وتدهور الخدمات، وانعدام الفرص المعيشية، تصاعد حجم الاحتقان الشعبي داخل مناطق سيطرة الجماعة إلى حد بات يمثل تهديداً حقيقياً لها، وهو مأزق دأبت على الهروب منه عبر فرض "حالة طوارئ غير معلنة" لتكميم الأفواه، وشنّ حملات الاعتقالات، وتوجيه الغضب الشعبي المتنامي نحو "أميركا وإسرائيل والعدوان".
في المقابل، يضع هذا التصعيد الحوثي الحكومة اليمنية الشرعية والمجتمع الدولي أمام تحدٍّ سياسي وعسكري معقّد، لا سيما أن مجلس القيادة الرئاسي ظل طوال المرحلة الماضية يطلق تحذيرات جدية من أن عسكرة المجتمع والتلويح بالحرب يمثلان تقويضاً ممنهجاً للهدنة الهشة المستمرة منذ عام 2022، ومحاولة صريحة لفرض أمر واقع بقوة السلاح.
ولا تبتعد هذه التحذيرات عن مقاربة المبعوث الأممي، هانس غروندبرغ، الذي يقود جهوداً حثيثة لاحتواء الموقف عبر لقاءات مكثفة يهدف من خلالها إلى منع انهيار مسارات التفاوض، وسط مخاوف أممية متزايدة من أن يطيح اشتعال الجبهات مجدداً بخريطة الطريق الإقليمية والدولية المعطلة أصلاً.
أما المجتمع الدولي، فقد ظلَّ يشدد على ضرورة خفض التصعيد وحماية الملاحة الدولية في مضيق باب المندب والبحر الأحمر، مع إبقاء الباب موارباً أمام التسويات والاختراقات الاقتصادية؛ لتفادي انفجار عسكري شامل قد يعيد خلط الأوراق المحلية والإقليمية من جديد.
الحوثيون وخطاب التعبئة... لا جديد
ويرى الكاتب الصحافي عصام بلغيث أن التلويح الحوثي الأخير يرتبط بشكل مباشر بمسار التفاوض العسكري، حيث يمكن ربط هذا التصعيد باجتماع لجنة التنسيق العسكرية التي أعلن المبعوث الأممي إلى اليمن عن انعقادها بين الحكومة والتحالف من جهة، والحوثيين من جهة أخرى
حيث تحاول الجماعة عبر هذا الاستعراض إبراز أوراق قوتها المتمثلة في الحشد والتنظيم لانتزاع مكاسب تفاوضية، إلا أن هذه الورقة لم تعد مجدية كالسابق، لا سيما في ظل التموضع الجيد للحكومة اليمنية وتشكيلاتها العسكرية بعد ترتيب الأوضاع الأمنية والميدانية في المناطق الجنوبية والشرقية، وخطوط التماس في تعز ومأرب.
وفي أبعاد التموضع الإقليمي للجماعة وكلفة خياراتها، يتابع بلغيث: "سخّر الحوثيون إمكاناتهم العسكرية لصالح طهران، وأعلنوا صراحة خضوع قراراتهم لخدمة الحسابات والمصالح الإيرانية، من دون أي التفات لمصالح الشعب اليمني أو الحفاظ على مقدراته التي تعرضت للقصف والتدمير
والواقع أن استهداف الملاحة الدولية والاعتداء على السفن المدنية في البحر الأحمر، تحت لافتة مواجهة البوارج الأميركية والإسرائيلية، أسفر عن ضحايا مدنيين على متن سفن تجارية، ما حوّل الجماعة إلى مهدد مباشر للمصالح الدولية،
وهو أمر لا يمكن تصنيفه نجاحاً بعيد المدى، بل وضعهم بشكل قطعي ضمن الخطط العسكرية والأمنية المستقبلية لدول الإقليم والعالم الساعية للتخلص من هذا التهديد".
من جهته، يقول الباحث في العلاقات الدولية والدبلوماسية، مسلي بحيبح، إن جماعة الحوثيين بوصفها حركة أيديولوجية ذات نزعة شمولية، لم تعتمد طوال مسيرتها السياسية والعسكرية على التوافقات الوطنية أو بناء المؤسسات أو إنتاج حلول مستدامة للأزمات
بقدر اعتمادها على الحشد والتعبئة العسكرية وسيلةً رئيسية لفرض استحقاقاتها وتحقيق أهدافها، وهذه سمة مشتركة بين العديد من الحركات الشمولية في التاريخ، التي تنظر إلى المجتمع باعتباره خزاناً بشرياً للتعبئة لا شريكاً في صناعة القرار".
ويرى بحيبح أن خطاب الحوثيين اليوم حول "التعبئة العامة" لا يمثل استثناءً أو ظرفاً طارئاً، بل يعكس جوهر العقيدة السياسية للجماعة التي ترى في القوة المسلحة والقدرة على الحشد المستمر مصدر الشرعية الحقيقي.
فمنذ نشأتها، ارتبطت معظم مكاسبها السياسية والعسكرية بموجات متتالية من التعبئة والتحشيد والحروب، سواء تحت شعارات دينية أو وطنية أو إقليمية.
وحتى خلال فترة التصعيد المرتبطة بغزة والبحر الأحمر، استثمرت الجماعة الزخم الشعبي لتوسيع شبكات التعبئة والتجنيد وبناء احتياطي بشري جديد".
ويلفت بحيبح، إلى أن البيان الأخير لا يمكن فهمه باعتباره مجرد إجراء تنظيمي، بل امتداد لمنهج ثابت يعتبر الحرب أو التهديد بها أداةً مركزية لإعادة ترتيب الداخل، وفرض الوقائع على الخصوم، وتحقيق المكاسب السياسية التي تعجز الجماعة عن انتزاعها عبر التوافق أو العملية السياسية الطبيعية؛
ولذلك فإن أي قراءة واقعية للسلوك الحوثي يجب أن تنطلق من حقيقة أن التعبئة والحشد ليسا ردة فعل على الأزمات فحسب، بل هما جزء أصيل من بنية الجماعة الفكرية وآلية عملها السياسية منذ نشأتها".
أما المحلل العسكري، المقدم أحمد المليكي، فيشدد على أن الحوثيين جماعة عقائدية لا استمرار لها إلا في ظلّ الحروب، وبالتالي فإن احتمالية إشعالها للجبهات العسكرية تعد كبيرة وفقاً لوقائع يمكن قراءتها،
فلا شك أن التفاهمات الإيرانية الأميركية ستعد بمثابة ضوء أخضر للجماعة للتحرك في حربها الداخلية، خصوصاً أن طهران تريد إشغال المجتمع الدولي بحروب بعيدة عن جغرافيتها بما يخفف الضغط عنها بعد حالة الإنهاك التي تعرضت لها".
ويضيف المحلل العسكري إلى ذلك، استغلال الحوثيين فترة الهدنة منذ عام 2022 للتعبئة والتحشيد، وبناء المعسكرات، والتسليح، والاستعداد للحروب القادمة سواء في الداخل اليمني، أو ضمن ما يسمى بمحور المقاومة، دون تجاهل وجود عوامل أخرى كابتزاز السعودية، والتهرب من الالتزامات الداخلية للجماعة بما هي سلطة أمر واقع في مناطق سيطرتها".
ويشير المليكي إلى أن السيناريو المتوقع في حال اشتعال الجبهات، هو أن يركّز الحوثيون على جبهة مأرب نتيجة الأهمية الاقتصادية لها بوصفها محافظة نفطية، وباعتبارها أيضاً بوابة اختراق للمحافظات الغنية بالثروات كحضرموت وشبوة شرقي وجنوبي البلاد،
كما سيتم التركيز على جبهة تعز بوابةً للتقدم نحو عدن وباب المندب، بما تمثله هذه المنطقة من أهمية استراتيجية وعسكرية تسمح للجماعة بالتحكم التام بالمضيق المائي الذي تسعى إيران للسيطرة عليه، ليكون ورقة ضغط إضافية لا تقل أهمية عن ورقة مضيق هرمز.
ويرى المليكي أن الحوثيين، في حال إشعال الجبهات عسكرياً، سيعتمدون على استراتيجية توسيع المساحة الجغرافية للحرب، من خلال تحريك غالبية إن لم يكن كل جبهات التماس مع القوات الحكومية لإحداث اختراقات ميدانية، مستغلين الكثافة العددية لقواتهم بعد عمليات التعبئة الشعبية"
مضيفاً أن ذلك "سيترافق مع عمليات عسكرية في البحر الأحمر، وأخرى يشنّها الحوثيون لاستهداف العمق السعودي؛ حيث سيتم توظيف القوة الصاروخية وسلاح الجو المسير ووحدات القوات البحرية بما تتضمنه من أسلحة جديدة ونوعية في هذه الهجمات".
فخر العزب
صحافي يمني