تعز تعوّل على التضاريس والحاضنة الشعبية لاستنزاف الحوثيين
الرأي الثالث
تسعى القوات اليمنية، إلى تحويل الضغط العسكري لجماعة الحوثيين على محافظة تعز جنوبي غربي البلاد، إلى عبء لوجستي وميداني طويل الأمد يساهم في استنزاف الجماعة.
وبينما تكتسب التحركات على الأرض أهميتها لقربها من الساحل الغربي ومضيق باب المندب، فإن الحكومة تعوّل على وعورة التضاريس الجغرافية والحاضنة الشعبية في تعز وخطوط الإمداد بوصفها محددات رئيسية لمسار المواجهات العسكرية، وليس حجم القوة النارية وحده، أو عدد المقاتلين.
وتكشف طبيعة المعارك في ريف تعز أن السيطرة على مواقع جديدة لا تعني بالضرورة القدرة على تثبيت السيطرة عليها، خصوصاً عندما تتوزع الجبهات بين جبال ووديان وطرق متعرجة وقلرى متباعدة ومتشعبة، وتظل خطوط الإمداد معرضة للاستهداف، إما عبر الضربات والغارات الجوية، أو عبر التغييرات في الميدان.
استهداف مركز للحوثيين في تعز
وتزامن هذا الاستنزاف البري المتصاعد في الأرياف مع ارتفاع ملحوظ في معدل الضربات الجوية المركزة التي استهدفت تجمعات ومواقع الحوثيين في خطوط التماس والجبهات الخلفية بمحافظة تعز.
وتركزت الضربات الجوية على مرابض المدفعية الثقيلة، ومقار القيادة الميدانية المؤقتة، ومخازن الذخيرة، إضافة إلى استهداف عُقد المواصلات الحيوية التي تستخدمها الجماعة لنقل العتاد والتعزيزات البشرية من المناطق الصناعية في الحوبان والربيعي نحو المحاور المشتعلة
ما أدى إلى شلل واضح في قدرة الجماعة على المناورة أو إعادة تجميع صفوفها بشكل منظم أو فرض أي تفوق ميداني كاسح، وهو ما يفسر تباطؤ مسارها في السيطرة على المناطق تباعاً مع وصولها إلى خط الضباب والذي يعد بوابة تعز الغربية.
وفي حين ذكرت وسائل إعلام تابعة إلى الحوثيين، أمس الخميس، أن "غارات سعودية استهدفت شبكة الاتصالات في منطقة النشمة بمديرية المعافر في تعز"، أعلن الجيش اليمني صد هجوم لجماعة الحوثيين على جبل هان الاستراتيجي غربي مدينة تعز جنوب غربي البلاد.
وقال نائب رئيس شعبة التوجيه المعنوي في محور تعز العسكري التابع للجيش، العقيد عبد الباسط البحر، في بيان نشره على "فيسبوك"، أمس الخميس، إن "قوات الجيش أحبطت هجوماً للحوثيين على جبل هان بعد ساعات من أعنف المواجهات وأشرس معارك القتال".
ويعد جبل هان من أهم المواقع الاستراتيجية، إذ يطل على طريق الضباب، وهو المنفذ الوحيد الرابط بين تعز ومحافظة لحج، ومنها إلى العاصمة المؤقتة عدن جنوباً، كما يطل على عدة أحياء غربي مدينة تعز، ما يمنحه أهمية كبيرة في تأمين مناطق واسعة.
وكانت جبهات محافظة تعز شهدت، أول من أمس الأربعاء، موجة تصعيد تخللتها مواجهات وغارات جوية استهدفت تحركات ومواقع عسكرية لجماعة الحوثيين.
وأعلنت قيادة محور تعز العسكرية التابعة للقوات الحكومية، في بيان الأربعاء الماضي، مقتل وإصابة أكثر من 200 عنصر من مقاتلي الجماعة خلال ساعات، إلى جانب تدمير آليات عسكرية وإسقاط طائرة مسيّرة.
وفي مؤشر على حجم الاختراق الميداني في الجبهة الغربية، بث اللواء الخامس حرس رئاسي مقطع فيديو يظهر أسر عدد من قياديي الحوثيين في المعارك.
وأكدت مصادر عسكرية، أن بين الأسرى القيادي أكرم عامر المتوكل، الذي يحمل رتبة لواء ويشغل منصب مدير إدارة مكافحة المخدرات لدى الجماعة.
وظهر قائد اللواء الخامس، العميد عمار الجندبي، في التسجيل يخاطب الأسرى، مستنكراً شن الهجمات على تعز التي "طالما كانت مهد العلم والثقافة"، ومؤكداً أن الواقع الميداني يسقط السرديات التي تروّجها الجماعة لتبرير هجماتها على المحافظة.
وفي هذا السياق، يمكن أن يتحول "التقدم التكتيكي" إلى "استنزاف استراتيجي"، إذا اضطرت قوات الحوثيين إلى تخصيص مزيد من الأفراد والعتاد لحماية مواقعها وتأمين طرقها، من دون أن تحقق مكاسب سياسية أو اقتصادية تتناسب مع كلفة الانتشار.
تضاريس معقدة وحاضنة محدودة
تمثل تضاريس تعز الجغرافية أحد العوامل التي تحدد طبيعة المواجهات المسلحة، إذ تتداخل المرتفعات الجبلية مع الممرات الضيقة والطرق الريفية
بما يتيح للقوات المدافعة فرصاً للمناورة واستهداف التحركات العسكرية في نقاط يصعب تأمينها بصورة مستمرة، خاصة مع معرفة مقاتلي الجيش والمقاومة بالمناطق الجغرافية، على عكس مقاتلي جماعة الحوثيين الذين قدم غالبيتهم من محافظات أخرى.
ولا تتوقف أهمية هذه الجغرافية عند صعوبة التقدم، بل تمتد إلى كلفة الاحتفاظ بالمواقع، والحاجة إلى حماية خطوط النقل والاتصال، وتأمين وصول التعزيزات والإمدادات إلى الوحدات المنتشرة.
وشهدت الأيام القليلة الماضية تزايد الكمائن التي تستهدف الحوثيين في مناطق جبل حبشي وطالوق والضباب ونجد قسيم ومفرق يفرس جنوب غربي تعز.
ومع اتساع هذه العمليات واستمرارها، فإن دلالتها تتجاوز الخسائر المباشرة إلى إظهار صعوبة تحويل الانتشار العسكري إلى سيطرة مستقرة في مناطق تتسم بتعقيد تضاريسها وتعدد مسالكها.
لكن غياب حاضنة شعبية واسعة لا يعني تلقائياً عجز أي قوة عن الاحتفاظ بمواقعها، كما أن طبيعة المجتمعات المحلية ليست واحدة في جميع مناطق تعز.
فالمعادلة تتوقف كذلك على قدرة الأطراف على إدارة المناطق الواقعة تحت سيطرتها، وتأمين احتياجات السكان، وتجنب تحويل المدنيين إلى طرف يدفع ثمن المواجهات.
ومع ذلك، فإن اتساع الفجوة بين القوة العسكرية والقبول الاجتماعي يمكن أن يجعل السيطرة أكثر كلفة، ويحد من قدرة القوات في الحصول على المعلومات المحلية اللازمة لحماية تحركاتها.
استنزاف استراتيجي
تواجه جماعة الحوثيين معضلة تتعلق بالفرق بين السيطرة على الأرض والقدرة على استثمارها.
فالتقدم في منطقة ريفية قد يحقق ضغطاً على خصمها، أو يفتح ممراً جديداً للحركة، لكنه يفرض في المقابل التزامات مستمرة تشمل نشر القوات، وتأمين الطرق، وحماية المواقع من الهجمات، وتعويض الخسائر، ونقل الذخائر والإمدادات.
وفي الأبعاد الاستراتيجية للمعركة، تواصل القوات اليمنية استغلال تعقيدات التضاريس لفرض واقع ميداني قائم على خنق قوات الحوثيين وقطع خطوط إمدادها الممتدة باتجاه الساحل الغربي، وذلك عبر محور مديرية الوازعية غرباً، الذي يكتسب أهميته باعتبار أن الوازعية تمثل حلقة وصل تربط تعز بالساحل الغربي،
كما تربط منطقة البرح بمديرية مقبنة شمالاً بمحافظة لحج جنوباً، وتعد خط إمداد رئيسياً لقوات الحوثيين التي سيطرت مؤخراً على الريف الجنوبي لتعز، ما يعني أن من شأن استكمال سيطرة القوات الحكومية على المديرية تضييق الخناق على الحوثيين وتحجيم قدرتهم على تهديد الملاحة الدولية من تلك المحاور.
إلى ذلك، تفيد مصادر عسكرية متطابقة بتوجه القيادة العسكرية خلال الأيام القادمة لفتح جبهة شرقي تعز والتي تتمثل بمحور كرش - حيفان - الراهدة - الحوبان، بالتزامن مع استكمال "قوات العمالقة" و"درع الوطن" السيطرة على الوازعية بهدف إغلاق خطوط الإمداد على الحوثيين، ووضعهم داخل كماشة من الشرق والغرب تجبرهم على الانسحاب من المناطق التي سيطروا عليها مؤخراً.
وأضافت المصادر أن العملية التي من المتوقع أن تبدأ مع الانتهاء من تأمين الساحل الغربي، تهدف إلى تحرير محافظة تعز بالكامل، في سياق عملية "فجر اليمن" الهادفة للقضاء على جماعة الحوثيين واستعادة مؤسسات الدولة.
وفي حين أن هذا الأمر لا يعني أن التحركات الحوثية تفتقر إلى أهداف عسكرية، فإنها تفتح، في المقابل، الباب أمام احتمال أن تتجاوز كلفة تثبيت المكاسب العائد المتوقع منها، خصوصاً إذا لم تفض إلى تغيير مستدام في ميزان القوى أو فرض ترتيبات سياسية جديدة.
ويعتمد الاستنزاف الاستراتيجي، في هذه الحالة، على تراكم الكلفة بمرور الوقت، لا على حسم سريع في مواجهة واحدة. فكلما اضطرت الجماعة إلى تعزيز مواقعها الريفية وتأمين طرقها، تقلصت قدرتها على تركيز الموارد في محاور أخرى، وازدادت الحاجة إلى موازنة الانتشار بين حماية المكاسب الجديدة والحفاظ على مناطق نفوذها القائمة، خاصة في ظل الخسائر الكبيرة في الأفراد التي تتعرض لها الجماعة.
وتظل هذه المعادلة مشروطة بقدرة القوات الحكومية على مواصلة الضغط، وتجنب استنزاف مواردها بالوتيرة نفسها، والحفاظ على التنسيق بين التشكيلات العسكرية المختلفة. فالجغرافيا لا تمنح أفضلية دائمة لأي طرف، وإنما تخلق فرصاً تتوقف نتائجها على القيادة والإمداد والانضباط والقدرة على التكيف مع تطورات الميدان.
وأكد المحلل العسكري النقيب ماجد الطاهر أن "جغرافية أرياف تعز تمثل بيئة استراتيجية لإدارة العمليات الخاصة وحروب العصابات خلف خطوط العدو بكفاءة عالية واستهداف قياداته".
وأوضح أن "القوات الحوثية دفعت بأنساقها البشرية نحو مناطق جبل حبشي والمواسط والوازعية والشمايتين والتربة والبيرين بالجبهة الغربية، عبر خط البرح - المخا - الكدحة، إلى جانب محاولة التطويق عبر خط سامع - حيفان - التربة شرقاً بهدف تثبيت مواقعها والهجوم نحو مركز المحافظة".
وأشار إلى أن "أسلوب حرب العصابات قادر على استنزاف الحوثيين وقطع خطوط إمدادهم، مستفيداً من التضاريس الجبلية التي تتيح رؤية واستعداداً أدق لاستهداف الأرتال، والأودية الكثيفة التي تؤمن التخفي من الاستطلاع، فضلاً عن وجود مجتمع محلي مساند يمثل حاضنة ترفض الانتشار الأمني للعدو".
وأكد أن "تفعيل هذا الخيار يضع القوات الحوثية في منطقة قتل مفتوحة، ولا يدع لها مخرجاً سوى التراجع، أو الخوض في مواجهة استخبارية معقدة مع المجتمع".
وشدد الطاهر على أن "تحويل المعركة من الدفاع إلى الهجوم يتطلب قيادة عملياتية ولوجستية موحدة لإدارة ثلاثة محاور متزامنة: جبهة خلف خطوط العدو بأرياف تعز، ومحور هجومي (كرش - حيفان - الراهدة - الحوبان)، وتطوير الهجوم من الوازعية والمندب نحو البرح ومقبنة".
ولفت إلى أن "نجاح المعركة يرتكز على تسليح نوعي يناسب التضاريس الجبلية، ووحدات خاصة للتدخل السريع، وغطاء استخباري دقيق، مع تأمين الجاهزية لعشرة أيام عملياتية على الأقل".
وحذّر من أن "استمرار المعركة بالآليات الحالية وضعف التنسيق سيبقيان التحديات قائمة"
مبيناً أن "الخطر الأكبر يكمن في ركود الجهد الاستخباراتي والقتالي بالقرى والأرياف، ما قد يشجع الحوثيين على الاندفاع نحو العارة والمقاطرة ونقل المواجهات إلى خارج حدود تعز".
فخر العزب
صحافي يمني