التدخل العسكري في الشرق الأوسط … حماية الاستقرار أم إدارة الصراعات؟
بينما يقودنا تاريخ العالم إلى أن المحركات الداخلية في كل بلد لها الأولوية في صنع تاريخه، فإن تاريخ المنطقة الممتدة من شرق البحر المتوسط إلى جبال أطلس غربا ومن جنوب المتوسط إلى القرن الافريقي جنوبا، يدلنا على غلبة محركات التدخل العسكري الأجنبي في صنع حقائق حياتها السياسية وتطورها الاقتصادي. ويمكن القول بلا مبالغة إن التدخل العسكري الأجنبي في بلدان تلك المنطقة، أسهم بشكل أساسي في صنع تاريخها، على الأقل منذ بدء انهيار الإمبراطورية العثمانية وسيطرة القوى البحرية الأوروبية، خصوصا إنكلترا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا والبرتغال.
لقد اكتسبت دول المنطقة، مع استثناءات محدودة، شرعية وجودها وخطوط حدودها بقوة التدخل الأجنبي واتفاقية سايكس – بيكو.
وعلى الرغم من ثورة بعض الشعوب العربية على قرارات فرض الحماية الأجنبية بعد الحرب العالمية الأولى،
إلا أن هذه الثورات لم تنجح في هزيمة قوة التدخل الأجنبي، ومن ثم فإن شرعية وجود الدولة الوطنية لم تكن وستفالية الطابع قائمة بقوة محركات داخلية وإقليمية، وإنما جاءت، باستثناء الحالة المصرية، بقوة محركات التدخل العسكري الأجنبي.
منذ حروب الإسكندر الأكبر في شرق المتوسط وشمال افريقيا، ظل التوسع في بلاد الشمس الدافئة حلما يراود الأوروبيين لأسباب مختلفة، دينية واقتصادية وبحرية وبيئية. وحتى عندما اكتشفت أوروبا طريق رأس الرجاء الصالح،
وفرضت هيمنتها البحرية على العالم مع انتقال ثورة المحركات البخارية إلى السفن الحربية، فإنها بقيت متمسكة بحلمها التاريخي، تعمل لتحقيقه لتحويل تفوقها التكنولوجي على الإمبراطورية العثمانية، القوة البرية الأكبر في العالم حتى الحرب العالمية الأولى، إلى رصيد سياسي من خلال صراع سياسي وعسكري،
تضمن أولا قضم أطراف الإمبراطورية في أوروبا، وثانيا احتلال الولايات العثمانية في جنوب وشرق البحر المتوسط، وصولا إلى إسقاط الإمبراطورية بعد الحرب العالمية الأولى.
وقد انتهى هذا الصراع التاريخي بفرض هيمنة القوى البحرية الأوروبية على الولايات العثمانية العربية بمقتضى اتفاقية سايكس – بيكو.
وقد استمرت الهيمنة الأوروبية على المنطقة لمدة تزيد على خمسة عقود من الزمن، ثم انكسرت بعد الحرب العالمية الثانية، وصعود مدّ حركات التحرر الوطني، الذي أنهى النفوذ الكولونيالي التقليدي، وأجبر بريطانيا على الانسحاب العسكري من شرق السويس في سبعينيات القرن الماضي.
في هذا السياق أسرعت القوى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، إلى ملء الفراغ العسكري الناتج عن ذلك، وتعرضت المنطقة لانقسام سياسي عميق، بين قوى تقدمية، وأخرى رجعية، بسبب الاستقطاب السياسي الحاد خلال الحرب الباردة بين القوتين الأعظم في العالم.
الحقبة الثانية في هذه المرحلة هي حقبة الهيمنة العسكرية الأمريكية التي بدأت مع سقوط الاتحاد السوفييتي وتفككه واحتلال العراق للكويت، ثم حرب تحرير الكويت.
وفيها تم إرساء نظام للقواعد العسكرية الدائمة في الشرق الأوسط، وهو ما يمثل تدخلا عسكريا يوميا في شؤون المنطقة وسياسات حكوماتها.
لجأت الولايات المتحدة وهي تخطط للهيمنة العسكرية المنفردة على العالم، بعد انتصارها في الحرب الباردة، إلى إقامة حزام من القواعد العسكرية حول العالم.
وفي القلب منه أنشأت القيادة العسكرية المركزية centcom، وروجت لنفسها مبررات كثيرة للتدخل العسكري منها، مكافحة الإرهاب، حماية أمن الممرات المائية الاستراتيجية في المنطقة وحماية الأقليات،
وكذلك التدخل بدواعي حماية أمن إسرائيل، باعتبارها القوة الضامنة لاستمرار النفوذ الاستراتيجي الأمريكي في الشرق الأوسط، خصوصا بعد قرارات متعاقبة منذ إدارة أوباما بتخفيف الوجود العسكري في المنطقة للتركيز على مواجهة الصين، ما يعد تغييرا في استراتيجية التدخل العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط.
بمقتضى هذا التغيير، أصبحت الولايات المتحدة هي القوة الضامنة لاستمرار التوسع الإسرائيلي الإقليمي، أولا بنسف إمكانية قيام دولة فلسطينية وإضفاء الشرعية على سياسة الضم والاستيطان،
وثانيا بمنح إسرائيل مزايا التفوق العسكري الاستراتيجي المطلق على جيرانها، وثالثا بالاشتراك مع إسرائيل في التدخل العسكري لتصفية أي قوة عسكرية مناوئة بازغة من داخل الإقليم.
ولا تختلف غايات التدخل العسكري الأمريكي لمصلحة إسرائيل من حيث الجوهر في حال التدخل ضد إيران لإنهاء برنامجها النووي، عن التدخل ضد السعودية لمنع تطوير قدرات تكنولوجية نووية، ومن حيث محاولة إعاقة إقامة نظام دفاعي إقليمي مستقل عن الولايات المتحدة وإسرائيل،
من خلال التباطؤ في تنفيذ الالتزامات العسكرية تجاه الدفاع عن السعودية والتحكم في تسليحها، ووضع طموحاتها النووية تحت الوصاية الأمريكية، ما يجعل الرياض بحاجة دائمة إلى طلب الحماية الأمريكية، ويحقق لواشنطن القدرة على التأثير في السياسة السعودية في الاتجاه المطلوب، للتطبيع مع إسرائيل وزيادة الاعتماد على التحالف الأمريكي- الإسرائيلي دفاعيا واستراتيجيا.
ومن الملاحظ أن الاستراتيجية العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط لا تقتصر على التدخل العسكري المباشر، وتهميش دور القوى المحلية، وإنما تتجه أيضا إلى تدويل الصراعات الإقليمية، مثلما حدث في الحرب على العراق، والحرب على الإرهاب والحرب على إيران.
كما تتجه إلى إطالة أمد الحروب، مثل الحرب على إيران والحرب على الإرهاب، وإثارة عوامل عدم الاستقرار السياسي، مع السعي إلى إعادة تشكيل سياسات الحكومات القائمة، خصوصا في اتجاه بناء تحالفات مع إسرائيل (اتفاقيات إبراهيم) وإيجاد المبررات للتدخل ضد الأنظمة السياسية المتمردة.
كذلك ارتبطت استراتيجية التدخل العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط بتفعيل المحركات الانقسامية، القومية والمذهبية والدينية في الدول العربية عموما، ما يسهم في تفتيتها وتشويه هويتها وإضعافها وجعلها أسهل انقيادا وراء التدخل الأجنبي كما يحدث في اليمن والسودان وليبيا والعراق.
في السنوات الأخيرة سعت إيران وتركيا والإمارات وإسرائيل بشكل متزايد إلى تحقيق أهداف عسكرية خارج حدودها، باستخدام العمليات العسكرية مباشرة، وتوجيه الشركاء المحليين.
وفي أحوال كثيرة أصبح التمييز بين التدخل الأجنبي وتغيير التوجهات السياسية للقوى المحلية غير واضح، كما هو الحال في ليبيا بعد تصديق البرلمان الليبي على مذكرة التفاهم المتعلقة برسم حدود المنطقة الاقتصادية البحرية الخالصة EEZ مع تركيا.
ومع تهميش دور القوى المحلية وتدويل الصراعات الإقليمية، فإن منطقة الشرق الأوسط تحولت إلى بيئة سياسية وعسكرية ينشط فيها التدخل العسكري بأشكال مختلفة، متعددة الأطراف، كما هو الحال في السودان، تتنافس فيها القوى العالمية والإقليمية في وقت واحد، كما هو الحال في سوريا.
هذا التنافس العسكري المتعدد الأطراف في الشرق الأوسط يتجه الآن إلى خلق بيئة عسكرية جديدة، ربما تنتهي إلى التهدئة، وربما إلى المزيد من الصراعات بين القوى المتنافسة، وهو ما نشهده حاليا في بلدان ومناطق مثل اليمن والقرن الافريقي وسوريا.
ومن الصعب التنبؤ بما ستكون عليه خريطة ميزان القوى داخل الإقليم خلال السنوات الخمس القادمة، نظرا لتداخل تفاعلات أطراف متعددة، وتخبط الدور الأمريكي الإقليمي،
ودخول اعتبارات جديدة إلى هذه التفاعلات منها إعادة التموضع العسكري الأمريكي وسعي واشنطن إلى تعديل التزاماتها العسكرية الإقليمية مع الحفاظ على وجودها الاستراتيجي وشراكاتها العسكرية ومسؤوليات القيادة العسكرية المركزية بالتحالف الوثيق مع دولة إسرائيل.
وتتضمن التفاعلات الإقليمية الراهنة على المستوى الدولي توسع مشاركة الصين إقليميا من خلال العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية والاستراتيجية، بما في ذلك وساطتها بين المملكة العربية السعودية وإيران عام 2023 وتطوير علاقاتها مع دول الإقليم من سلطنة عمان إلى مملكة المغرب.
وفي حال دخول السلاح الصيني إلى ساحة المنافسة فإن صادرات السلاح الأمريكية إلى المنطقة قد تتعرض لأضرار بالغة تدريجيا مع مرور الوقت، وهو ما قد يمثل نقطة انقلاب لصالح الصين في علاقاتها التجارية والاستراتيجية في المنطقة.
وتشمل منظومة التنافس العسكري بين القوى الإقليمية توسع الدور التركي من شرق البحر المتوسط إلى القرن الافريقي الكبير الممتد من ليبيا إلى الصومال.
وقد أصبحت تركيا بالفعل قوة عسكرية إقليمية لها وجود عسكري مباشر يعادل تقريبا طموحاتها ومصالحها التي تبتغي تحقيقها والدفاع عنها.
وتتضمن عناصر التنافس العسكري الإقليمي أيضا دور القوة الإيرانية الذي تمارسه من خلال قوتها العسكرية الذاتية وبطريق غير مباشر من خلال شبكة حلفائها الإقليميين في العراق واليمن ولبنان.
وفي سياق التنافس العسكري الإقليمي الذي يعمل على زيادة تأثير القوى المحلية في مواجهة سياسات تهميشها جاء مشروع التعاون الأمني العربي والإسلامي الناشئ (حلف مكة)، حيث تسعى السعودية وباكستان وتركيا وغيرها من الجهات الفاعلة الإقليمية تطوير علاقات دفاعية وأمنية أوثق.
إبراهيم نوار
كاتب مصري