مئذنة المحضار شاهد على عبقرية الإنسان الحضرمي
عندما تطأ قدمك حضرموت، شرق اليمن، تشعر أنك تدخل عالماً آخر، عالماً تنحاز فيه العمارة إلى الطين، وينحاز الزمن إلى الذاكرة.
مدن شامخة بنيت من التراب، ومساجد تعلو بمنارات طينية رشيقة، وملامح عمرانية تتجرد من الأسمنت والحداثة، لتبقى شاهدة على عبقرية الإنسان الأول وقدرته على تطويع الطبيعة وبناء حضارة من أبسط المواد.
حضرموت ليست مجرد جغرافيا، بل قصة طويلة من الإبداع البشري، حيث لا تزال مدن مأهولة تقاوم تقلبات القرون، وأخرى غادرتها الحياة وبقيت أطلالاً تهمس بحكايات سكان رحلوا إلى بقاع شتى من العالم. إنها ملحمة صمود، وانكسار، ثم بقاء.
مدينة المساجد
وتعد مدينة تريم مدينة المساجد والمآذن؛ فحينما تتجول في شوارعها لا تلتفت يميناً أو شمالاً إلا وترى مسجداً أو تلمح مئذنة. فإذا كنت زائراً أو مقيماً فلا شك ستشعر بالسكينة والروحانية التي تعكس طبيعة المدينة الأصيلة.
وعند مدخل مدينة تريم قال أحد الأصدقاء الذين يقطنون المدينة: "أهلاً بكم في مدينة الصلاة".
وعند سؤاله عن سبب التسمية، أشار إلى كثرة المساجد واختلاف مواقيت الصلاة فيها، بما يتيح لك أن تصلي في أي وقت.
وعلى سبيل المثال، تبدأ صلاة التراويح في شهر رمضان من الساعة الثامنة مساء حتى الساعة الثانية بعد منتصف الليل.
المآذن الطينية
وتعد منارات الطين ذات الأشكال المزخرفة والأنيقة في مساجد المحافظة، الأكبر مساحة في شرق البلاد، أحد الشواهد على براعة الإنسان الحضرمي في البناء الطيني.
كما هي الحال في مسجد المحضار ومئذنته الشهيرة، التي تعد من أبرز المعالم الدينية في مدينة تريم الغناء، لتفردها بتصميم وشكل هندسي جذاب.
ولا تزال مناراته الشهيرة أحد الشواهد الطينية البديعة الصامدة في وجه الزمن، وترى عيناك إلى جانب ذلك عدداً من المعالم الطينية التي تجسد براعة الإنسان الحضرمي وإبداعه في فن البناء والعمارة.
أطول مئذنة طينية
ويعد مسجد المحضار من المساجد القديمة، وتشير الكتب التاريخية أن تاريخ بنائه يعود إلى عام 838 هجرية، ومر بثلاث مراحل من البناء بالعمارة الطينية. أما مئذنته فتعد أطول مئذنة بنيت من الطين، وقد شُيدت عام 1914 (1333هـ)،
ويصل ارتفاعها إلى أكثر من 40 متراً، وتتسم من حيث تصميمها بشكل هندسي جميل وارتفاع شاهق، وتتخذ الشكل المربع،
وتتسع في قاعدتها وتتناقص وتضيق مقاسات أضلاعها كلما ارتفعت إلى قمتها، وبعد اجتياز 107 درجات من سطح المسجد يمكنك الوصول إلى غرفة مربعة تتسع لشخص واحد، وهي غرفة المؤذن الذي يؤذن للصلاة.
وكتخليد له في ذاكرة الأجيال اليمنية، "جامع المحضار"، عملت الحكومة على طباعة صورته على العملات النقدية اليمنية في عام 2001، ولا تزال صورة المسجد ومئذنته تزين فئة 500 ريال يمني حتى اليوم.
عوامل صمود
وعلى رغم من مرور أكثر من 100 عام، فإن المئذنة لا تزال صامدة وتحافظ على جمالها الأثري.
ويرجع الأستاذ المساعد بقسم التاريخ في كلية التربية بجامعة سيئون، صبري عفيف، "أن صمودها يعود إلى عبقرية المعلم المعماري عوض سليمان جمال عفيف، الذي اعتمد جملة من الأسس الهندسية الدقيقة،
في مقدمها حفر أساسات عميقة تصل إلى نحو 10 أمتار، بنيت من الحجر قبل تشييد جسم المئذنة، واستخدام طين خاص يُعرف محلياً باسم "الزبر"، وهو من أجود أنواع الطين في تريم وأكثرها مقاومة لعوامل التعرية والأمطار،
إلى جانب "النورة" التقليدية التي جرى إعدادها بطرق شاقة ومعقدة، حيث كانت تُطرق يدوياً بكميات محدودة يومياً،
وتُترك لأشهر طويلة ممزوجة بالماء والسكر الأحمر والتمر حتى تبلغ درجة عالية من الصلابة، وهو ما أثار دهشة خبراء زاروا المئذنة لاحقاً لاختبار متانة موادها".
ويضيف عفيف أن "التصميم الهرمي للمئذنة، بقاعدتها العريضة التي تتناقص تدريجياً حتى غرفة المؤذن، أسهم في تعزيز ثباتها،
فضلاً عن التوزيع الذكي للفتحات الهوائية التي تسمح بمرور الرياح من الشمال إلى الجنوب من دون أن تصطدم مباشرة بجسم المئذنة، مما يقلل من تأثيرها على توازن البناء".
عوائل وأسر
واشتهرت بعض الأسر ببناء الشواهق والمعالم الطينية في حضرموت اليمنية كأسرة عفيف.
وأشار صبري عفيف إلى أن "المنارات الطينية ذات الشكل الهندسي والتصميم البديع توارثتها عوائل وأسر أباً عن جد، وعائلة عفيف لا تزال تتوارث بناء الشواهق والمعالم الطينية إلى يومنا هذا،
وهناك عدد من معلمي البناء الشباب في العائلة نفذوا عدداً من المعالم الطينية في عدد من مناطق حضرموت حالياً".
وأضاف، "أن المعماري عوض عفيف وإخوته قد تمكنوا من بناء قرابة 15 مسجداً في مدينة تريم فقط، وكلها تتميز بمآذن مختلفة، وتم إنشاؤها جميعاً باستخدام الطين،
ناهيك بمعالم في مدن ومناطق أخرى مثل سيئون ووادي دوعن والمكلا، وفي المحافظات المجاورة خارج حضرموت".
وعن نوعية البناء التي اعتمدها المعماري عوض عفيف، يقول صبري عفيف، "إنه بدأ بتشييد مآذن دائرية الشكل، ثم قام بالجمع بين مرحلتين من عملية البناء،
حيث انتقل من الشكل الدائري إلى الشكل المربع، كما حدث مع مئذنة نسرة في دوعن ومئذنة الرياض في سيئون.
ومن ثم انتقل إلى المرحلة الثالثة التي تتمثل في بناء أبراج مآذن مربعة الشكل".
تقف عمارة حضرموت الطينية، اليوم، في مواجهة عدو جديد لا يقل قسوة عن الزمن: الحرب. فمع تراجع أعمال الصيانة، وهجرة الحرفيين، وتقلص الموارد، باتت كثير من المباني التاريخية مهددة بالتصدع والانهيار، ليس لعجز الطين عن الصمود، بل لعجز الإنسان عن حمايته.
وبينما تواصل المآذن والجدران مقاومتها لعوامل الطبيعة، يبقى الحفاظ على هذا التراث مسؤولية ملحة، لأن خسارته تعني ضياع جزء أصيل من هوية اليمن وذاكرته الحضارية.
هشام الشبيلي
صحافي ومصور يمني