"نحن في مواجهة غزو دائم"... تفكيك لسياسة الانتقالي
أتصور أن قوة الكيانات، في لحظات الانكشاف السياسي، لا تُختبر بقدرتها على الحشد أو رفع الشعارات، بل بمدى اتساقها مع المعايير التي تزعم الدفاع عنها.
فحين يتحوّل الخلاف حول تمثيل أو قرار حكومي إلى صراع على مشروعية الدولة ذاتها، نكون في اعتقادي أمام سؤال يتجاوز الواقعة إلى بنيتها الفكرية: هل السياسة مجال لتنظيم الاختلاف ضمن قواعد مشتركة، أم ساحة لإعادة تعريف الشرعية كلما تبدلت موازين القوة؟
ما جرى عند بوابة (معاشيق) في عدن لا يُقرأ كحادث أمني فحسب، بل كمؤشر دال على تصور واضح للسلطة يرى في المؤسسة خصماً إذا لم تُطابق إرادته، وفي الشارع أداة ضغط إذا خدم سرديته.
وعليه؛ يبدأ النقاش الحقيقي من هنا: عن معنى الدولة، وحدود الاحتجاج، والفارق بين الحق بوصفه قيمة، والحق بوصفه ذريعة.
دعوني أدخل في صلب الموضوع مباشرة وأقول: في مساء الخميس 19 فبراير (شباط)، لم يكن المشهد عند البوابة الأولى لقصر معاشيق الرئاسي حدثاً عادياً في سياق التوترات السياسية المتكررة في عدن العاصمة الموقتة للجمهورية اليمنية، بل كان علامة كاشفة عن خلل عميق في تصور الفاعلين لمعنى السلطة وحدودها.
محاولة اقتحام بوابة المقر الرئاسي لمنع الحكومة الجديدة من عقد اجتماعها الأول، وما ترتب عليها من سقوط عدد من المصابين، لم تكن مجرد احتجاج محتدم، بل هي انتقال من خطاب التحريض إلى اختبار القوة على الأرض.
هنا يتقدّم السؤال الجوهري: هل نحن أمام خلاف سياسي قابل للإدارة، أم أمام رؤية تعتبر المؤسسة الدستورية خصماً ينبغي إزاحته بالقوة كلما تعارضت مع تصورها للسلطة؟
لاحظوا معي التالي من فضلكم وتأملوا: قبل ساعات من ذلك المشهد، كان البيان الصادر منتصف نهار اليوم ذاته 19 فبراير يمهّد بوضوح للواقعة.
اللغة لم تكن توصيفاً سياسياً اعتيادياً، بل بناء خطابياً مشحوناً يقدّم وصول "وزراء الشمال" بوصفه "تحدياً سافراً" وتهديداً لاستقرار الجنوب.
في هذا المستوى من الخطاب المتطرف، لا يُنظر إلى الحكومة باعتبارها مؤسسة دستورية يفترض تقييمها وفق برنامجها وأدائها، بل باعتبارها امتداداً رمزياً لتاريخ صراعي يُستدعى كاملاً في لحظة واحدة.
وهكذا يتحول الحاضر إلى ساحة تصفية حساب مع الماضي، وتُختزل السياسة في ثنائية صلبة: نحن في مواجهة "غزو" دائم.
بيد أن البيان لم يكتفِ بإعادة إنتاج سردية تاريخية، بل ذهب أبعد من ذلك حين لوّح بانفجار "غضب شعبي لا يمكن لأحد أن يوقفه أو يتحكم بمساره".
هنا، تحديداً، تتبدى لي مفارقة لافتة: الغضب الذي يُقدَّم بوصفه تلقائياً وعفوياً، يُستدعى بلغة منظمة ومقصودة، تُحيل إلى توجيه لا إلى توصيف. فالخطاب الذي ينذر بالفوضى، وهو صادر عن كيان منظم، لا يمكن فصله عن مسؤوليته في إنتاج المناخ الذي يجعل الفوضى ممكنة.
المفارقة الأكثر دلالة في تصوري تظهر حين نستعيد موقف المجلس ذاته في عام 2019، عندما رحّب برئاسة معين عبدالملك، وهو شمالي، وأعلن دعمه الحكومة آنذاك من دون أن يرى في وجود "وزراء الشمال" أو "رئيسها الشمالي" تهديداً لهوية الجنوب أو استقراره.
لكن اليوم، ومع حكومة يرأسها شائع محسن، وهو جنوبي، وتضم 25 وزيراً جنوبياً من أصل 35، يُعاد إنتاج الخطاب ذاته لكن بعكس الاتجاه.
هذا التباين لا يفسَّر بتحول ديمغرافي أو اختلال في التمثيل، بل بتحول في المصلحة السياسية. وعليه؛ وفق ما هو موضح أعلاه، يصبح السؤال عن المبدأ مشروعاً: هل المعيار هو الانتماء الجغرافي، أم التموضع السياسي داخل موازين القوة؟
حين يصدر بيان ثان عند الساعة الثانية فجراً في 20 فبراير، داعياً إلى "حق التظاهر السلمي"، ومعتبراً محاولة الاقتحام "مسيرات حضارية"، فإننا نكون أمام إعادة تعريف للوقائع.
اللغة هنا لا تصف الحدث كما جرى، بل تعيد صياغته بما يتناسب مع صورة يراد تثبيتها.
بعبارة أخرى أدق وأوضح: إن تحويل محاولة اقتحام بالقوة إلى "تعبير حضاري" لا يعكس اختلافاً في التقدير فحسب، بل يعكس تصوراً يجعل من المشروعية مسألة ذاتية، يحددها الفاعل نفسه لا قواعد القانون.
هذا التبدل في توصيف الفعل السياسي في اعتقادي يعيد إلى الواجهة حادثة "مليونية عشال"، حين خرجت جموع جنوبية في مسيرات سلمية حقيقية مطالبة بكشف مصير عشال الجعدني، الذي لا يزال مخفياً حتى اليوم.
يومها، وُوجهت تلك الجموع بقوة السلاح من قبل قوات الحماية الرئاسية التابعة للمجلس الانتقالي. المفارقة هنا في تصوري ليست في اختلاف السياقين،
بل في اختلاف معيار التعامل: حين يكون الاحتجاج موجهاً إلى السلطة القائمة، يُعدّ تهديداً للأمن؛ وحين يكون موجهاً ضد خصومها، يصبح حقاً مشروعاً.
أي معنى للسلطة إذاً، حين تضيق بالمطالبة بكشف مصير إنسان، ثم تتّسع فجأة للاحتجاج حين تمسّ المصالح دوائرها؟
إن السلطة، في تعريفها الكلاسيكي، ليست امتيازاً لإدارة الانفعال، بل مسؤولية لضبطه وفق معايير عامة. فإذا تحوّلت إلى أداة انتقائية، تُفعّل القانون حين يخدمها وتعلقه حين يقيدها، فإنها تفقد صفتها كمرجعية جامعة، وتتحول إلى طرف في النزاع.
فضلاً عن ذلك يبرز هنا البعد الفلسفي للأزمة: هل تُقاس شرعية أي كيان بقدرته على حماية مصالحه، أم بقدرته على صون حق المختلف معه في السؤال والمطالبة بالحقيقة؟
إن الشرعية التي تقوم على الغلبة اللحظية قد تمنح تفوقاً ميدانياً، لكنها لا تؤسس استقراراً طويل الأمد. الاستقرار، في جوهره، هو نتاج ثقة عامة بأن القواعد تطبق على الجميع، لا على خصوم بعينهم.
والقول إن المجلس الانتقالي الجنوبي "منحاز لخيار الشعب ومدافع عن حقوقه بكل الوسائل المشروعة" يضعنا أمام مفهوم ملتبس للمشروعية.
فالمشروعية، في الدولة الحديثة، ليست ما يراه الفاعل مشروعاً، بل ما يتوافق مع الدستور والقانون والمؤسسات. أما حين تُعرَّف الوسائل المشروعة من داخل التنظيم ذاته، فإننا، كما أرى، نكون أمام تصور ما قبل مؤسسي، حيث تختلط الإرادة الخاصة بالإرادة العامة.
فضلاً عن ذلك؛ لا يمكن قراءة أحداث بوابة معاشيق بمعزل عن هذا التصور. فمحاولة منع حكومة من عقد اجتماعها الأول بالقوة تعني عملياً أن الاعتراف بالمؤسسة مرهون بمدى توافقها مع إرادة فصيل معين.
وهذا المنطق، إن استقر، لا يقف عند حدود حكومة بعينها، بل يفتح الباب أمام كل فاعل مسلح ليختبر شرعية الدولة على طريقته الخاصة.
أكثر من ذلك؛ قد يقال إن الاحتقان الشعبي حقيقي، وإن ثمة مظالم متراكمة لم تجد طريقها إلى المعالجة (وهذا صحيح تماماً في ما يتعلق بالمظالم المتراكمة التي تلجأ إليها الشرعية عبر تعيينات غير منصفة ولا عادلة).
غير أن تحويل الاحتقان إلى أداة ضغط خارج إطار القانون لا يفضي إلى تصحيح الخلل، بل إلى مضاعفته. فالدولة التي تُختبر شرعيتها عبر البوابات المغلقة، لا عبر المؤسسات المفتوحة، تجد نفسها في اعتقادي عاجزة عن إنتاج عقد سياسي مستقر.
في التدرج المنطقي للأحداث، وفق ما هو موضح أعلاه، نرى خطاباً يؤسس للقطيعة، يليه فعل يحاول تكريسها، ثم بيان يعيد تأويل الفعل بوصفه حقاً مشروعاً.
هذا التدرج العجيب ليس عرضياً، بل يعكس رؤية ترى في السياسة ساحة صراع صفري، لا مجال فيها لتعدد الشرعيات داخل إطار قانوني واحد.
وهنا، تحديداً، يكمن الخطر الحقيقي: حين تُختزل السياسة في معادلة الغالب والمغلوب، يتراجع مفهوم الدولة إلى مرتبة تفصيل ثانوي.
في نهاية المطاف أرى أن الأزمة، في جوهرها، ليست بين شمال وجنوب، ولا بين حكومة ومجلس، بل بين تصورين للسياسة: تصور يجعل من العدالة قيمة مبدئية ثابتة، وتصور يجعلها أداة ظرفية تُستدعى أو تُعطَّل بحسب موقع الفاعل.
وبين هذين التصورين يتحدد مستقبل المجال العام في اليمن. فإذا لم يُحسم الجدل لصالح مبدأ واحد يحكم الجميع بعدل وإنصاف، فإن كل بوابة ستظل قابلة للاقتحام، وكل بيان قابل لأن يتحول إلى مقدمة مشتعلة لصدام جديد.
سامي الكاف
صحافي وكاتب يمني