جامع الشاذلي في المخا... حيث يمتزج التصوف بمزاج القهوة العالمي
تشكل مزاج البن اليمني في ميناء المخا التاريخي، قبل أن ينتشر في أرجاء المعمورة، لكن المدينة تمثل أيضاً بعداً روحياً خالصاً من خلال تدفق التراتيل والتواشيح والمديح الصوفي، ومسجد الشاذلي العتيق.
ليس البن وحده ما يجذب انتباه زوار مدينة المخا الواقعة على الساحل الغربي لليمن على مقربة من مضيق باب المندب، إذ تتسلل إلى وجدانهم روحانية مميزة عند رؤية المنارة النحيفة ناصعة البياض المتربعة في وسط الجامع التاريخي الذي يعتبر أبرز معالم المدينة،
وهو واحد من أشهر المزارات الصوفية نتيجة ارتباطه بالقطب الصوفي علي بن عمر الشاذلي، ويُعرف شعبياً باسم "جامع الشاذلي".
تختصر المدينة الصغيرة أحزان اليمنيين، ويحمل جسدها ندوب الحرب وعقوداً من التهميش، بينما يتردد صوت الأذان من المئذنة التاريخية منذ قرون لينشر الطمأنينة، والنفحات الروحانية الصوفية،
ومع امتزاج صدى الأذان بأصوات المد والجزر، يتسلل إلى خلدك تساؤل عن سر المكان، والذي جعله قبلة للتجار والصوفيين طوال قرون.
وفي حين يصارع الجامع عوامل التعرية وغياب الاهتمام بنقوشه المهددة، يصر على البقاء ملاذاً للسكينة في زمن الشتات.
يقول الشاب مالك إبراهيم إن "جامع الشاذلي يعاني إهمالاً كبيراً، ويحتاج إلى عملية ترميم شاملة بمواد تتناسب مع البيئة الساحلية للمدينة". بُني الجامع في سنة 820 هجرية (1417 ميلادية)،
وشهد في 1987 عملية ترميم وتوسيع. ويتجلى تخطيطه المعماري بما هو تحفة هندسية فريدة، فالبناء مستطيل الشكل، وتفتح قاعة الصلاة على فناء مكشوف في الجهة الجنوبية،
بينما تتوج المسجد تسع قباب متراصة بهندسة بديعة على هيئة ثلاثة صفوف، وتحمل أعمدة الساج الخشبية المنحوتة بطريقة متماثلة سطحه الأثري، مسنودة بجسور أفقية خشبية لا تزال صامدة، وتقاوم عوامل التعرية.
في الداخل، يغص الجامع بنقوش تاريخية وآيات قرآنية خُطت بألوان مختلفة، ورغم أن الزمن نال من بريقها، إلا أن بعض الزخارف المحفورة بطريقة الحفر البارز على السقف الخشبي لاتزال صامدة.
ويلاصق الجامع من ناحيته الجنوبية ضريح الشيخ الشاذلي، وهو بناء مربع الشكل شُيّد من الحجارة والطوب المحروق، وتغطي سقفه قبة مهيبة ذات مقرنصات ترتكز على حنايا مصمتة شيدت في العصر العثماني،
ويضم البناء إلى جانب قبر الشيخ، قبور عدد من أولاده ومريديه على هيئة مصاطب مبنية بخلطة "الحجارة والقضاض" التقليدية المقاومة للرطوبة.
ويستدعي جامع الشاذلي سيرة مؤسسه الذي يعد واحداً من أبرز أسماء الصوفية في اليمن، والمتوفى في القرن التاسع الهجري الخامس عشر الميلادي، وهو غير صاحب الطريقة الصوفية الشاذلية المعروفة.
ولم يكن الشيخ علي بن عمر مجرد متصوف عابر، بل كان عالماً في الفقه والحديث، صهرته رحلات العبادة بين الحرمين الشريفين وبيت المقدس،
وتلقى أسرار الطريقة الشاذلية في مصر، قبل أن يستقر به المقام في المخا قادماً من الحبشة في الجانب المقابل من البحر الأحمر، حيث جلب معه سرّ البن الذي غيّر وجه التاريخ.
وتوثق "الموسوعة اليمنية" في مجلدها الثالث القصة، إذ كان الشيخ الشاذلي أول من تفطّن لخصائص السهر والتركيز التي توفرها هذه ثمرة البن، فجعل مغليّها مشروباً يستعين به مريدوه ودراويشه على قيام الليل،
ولم يقف الشيخ عند حدود التبتل والزهد، بل تجاوز ذلك إلى مزج الروحانية بالحياة، فكان أول من نظّم تجارة البُن، وأشرف على إعادة بناء ميناء المخا وتشييد المتاجر المحيطة به.
وإلى جوار الجامع، أنشأ الشيخ الشاذلي أقدم "بيوت القهوة" في التاريخ، لتتحول "القهوة الشاذلية" من مدَدٍ صوفي خالص يطرد النعاس عن العابدين، إلى سلعة عالمية تختصر اسم المدينة عالمياً، والذي تحول من المخا إلى "موكا".
ونتيجة لهذا النجاح التجاري والروحي، ترسخ دور الشيخ الشاذلي في المخا، وتحول من إمام مسجد يؤم الناس في الصلاة إلى عالم الدين الأبرز فيها،
ليتحول الجامع إلى زاوية علمية ذائعة الصيت تجذب طلاب العلم والفقهاء والزهاد من أصقاع العالم الإسلامي، ومن الشواطئ المقابلة في شرق أفريقيا.
ولم يكن اختيار الشيخ الشاذلي لمدينة المخا محض صدفة، بل كان قراراً حكيماً استند إلى المكانة الاجتماعية والثقافية التي تمتاز بها المدينة المفتوحة على العالم،
فهي محطة التقاء التجار القادمين من مشارق الأرض ومغاربها على اختلاف أديانهم وقومياتهم وألسنتهم، ما ساهم في نجاح مهمة الجامع في نشر رسالته استناداً إلى ركائز العلم والمعرفة والزهد وحسن المعاملة
ليظل اسم "الشاذلي" منقوشاً في ذاكرة المدينة رمزاً لولادتها الروحية الأولى.
ويقول الباحث في التاريخ اليمني، منير يوسف، إن "جامع الشاذلي يعد من أهم جوامع اليمن وأقدمها، وله مكانة تاريخية وثقافية رفيعة ترتبط بمدينة المخا التي اشتهرت بتصدير القهوة إلى أرجاء العالم،
لذا كان الجامع ورباطه الصوفي بمنزلة المنارة الدينية لليمنيين في العالم، والتي نشرت قيم الإسلام المتجسدة في المحبة والتسامح".
فخر العزب
صحافي يمني