تحرير الدولار الجمركي يصدم أسواق العيد في اليمن
يعيش اليمن على وقع تداعيات قرار تحرير سعر صرف الدولار الجمركي، الذي أربك الأسواق المحلية مع دخول موسم عيد الأضحى، ثاني أهم المواسم التجارية في البلاد، رغم أن القرار الذي أصدرته الحكومة المعترف بها دولياً بدأ تطبيقه جزئياً منذ سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول الماضيين.
وبالتزامن مع القرار، وجهت الحكومة الوزارات والجهات المختصة والسلطات المحلية بتكثيف الرقابة ومنع استغلال القرار لفرض زيادات غير مبررة على السلع الأساسية.
وحسب مصادر حكومية، تعمل الحكومة على إعداد مصفوفة إجراءات لتوحيد آليات التطبيق في جميع المنافذ، ومنع أي استثناءات أو إعفاءات خارج الأطر القانونية.
كما أطلقت وزارة الصناعة والتجارة، بالتنسيق مع الغرف التجارية والجهات المعنية، حملات رقابة ميدانية لضبط الأسعار ومنع الاحتكار والمغالاة، مع إعداد قوائم استرشادية لأسعار السلع الأساسية ونشرها دورياً.
وتشير المصادر إلى الاستعانة بوزارتي الدفاع والداخلية والأجهزة الأمنية لتشديد الرقابة على المنافذ والأسواق ومكافحة التهريب ومنع دخول البضائع غير المستوفية للإجراءات القانونية.
في المقابل، انتقد خبراء اقتصاد وتجار توقيت القرار في ظل الأوضاع الاقتصادية الحرجة التي يعيشها اليمن، خاصة مع تداعيات الحرب والتوترات في مضيق هرمز واضطراب ممرات الشحن التجاري، ما تسبب بأزمة إمدادات حادة في بلد يعتمد بشكل شبه كامل على الواردات الغذائية والسلعية والوقود.
ويرى هؤلاء أن القرار قد يفاقم موجة التضخم ويؤدي إلى شلل أكبر في الأسواق خلال موسم العيد.
يقول الخبير في الاقتصاد السياسي وأستاذ الاقتصاد بجامعة عدن محمد جمال الشعيبي إن رفع الدولار الجمركي يستهدف زيادة الحصيلة الجمركية والضريبية، خصوصاً من السلع غير الأساسية والكمالية، لكنه سينعكس بصورة مباشرة وغير مباشرة على أسعار السلع، لأن الاقتصاد اليمني يعتمد بشكل شبه كامل على الاستيراد.
وتتوقع مصادر مطلعة أن يرفض جزء من القطاع الخاص التعامل مع القرار، كما حدث عند بدء تطبيقه الجزئي من قبل الحكومة السابقة، في وقت يتعامل فيه كبار المستوردين بحذر بسبب ارتفاع تكاليف الاستيراد وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين.
من جانبه، يرى الشعيبي أن الاحتمال الأبرز يتمثل في حدوث موجة تضخم جديدة إذا غابت الرقابة الفعلية وفشل استقرار سعر الصرف، حتى وإن كان الهدف من القرار زيادة الإيرادات العامة لتغطية النفقات الحكومية.
ويعتبر كثير من التجار والمستوردين العاملين في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين أن القرار يستهدفهم في إطار الصراع الاقتصادي بين الأطراف اليمنية، خاصة بعد اضطرارهم إلى الاستيراد عبر الموانئ الواقعة في مناطق الحكومة المعترف بها دولياً عقب تراجع نشاط موانئ الحديدة نتيجة الهجمات الإسرائيلية.
ويتوقع مراقبون أن يؤدي القرار إلى ردود وإجراءات مضادة من سلطات صنعاء، على غرار ما حدث في ملف نقل البنوك من صنعاء إلى عدن.
وفي السياق، يرى الخبير الاقتصادي رشيد الحداد ، أن القرار يمثل تصعيداً اقتصادياً يمس حياة اليمنيين في مختلف المحافظات، ويعد خرقاً للهدنة الاقتصادية الضمنية بين صنعاء والرياض برعاية الأمم المتحدة.
ويشير إلى أن تحرير الدولار الجمركي قد يرفع قيمته إلى أكثر من 1550 ريالاً في مناطق الحكومة المعترف بها دولياً، ما سيزيد الضغوط المعيشية على السكان.
بدوره، يربط الشعيبي بين القرار والحاجة الحكومية إلى تعظيم الإيرادات لتغطية الالتزامات الجديدة، موضحاً أن الحديث عن توحيد الأوعية الإيرادية يعني إنهاء التباينات وفرض آلية موحدة لتحصيل الرسوم والضرائب والجمارك وفق سعر أقرب إلى سعر السوق.
أما المحلل الاقتصادي وفيق صالح، فيرى أن تحرير الدولار الجمركي ستكون له تداعيات مباشرة على ارتفاع المستوى العام للأسعار، في ظل غياب أدوات حكومية فعالة لضبط الأسواق ومنع ارتفاع بقية السلع والخدمات.
ويؤكد أن إجراءات الحكومة الأخيرة، بما فيها اعتماد بدل غلاء معيشة بنسبة 20% لموظفي الدولة، تمثل معالجات تضخمية ترفع الأسعار وتكاليف النقل والخدمات، وتزيد في الوقت نفسه الأعباء المالية على الحكومة.
ويصف صالح هذه الإجراءات بأنها "حقن مهدئة" وليست حلولاً جذرية، محذراً من تداعيات خطيرة مستقبلاً إذا لم تترافق مع إصلاحات حقيقية تشمل معالجة اختلالات ميزان المدفوعات، وزيادة النشاط الإنتاجي، والحفاظ على القيمة الشرائية للعملة الوطنية.
ويشدد على أن الإصلاحات الفعلية يجب أن تركز على تحسين القدرة الشرائية للمواطن وتعزيز استقرار العملة والأسعار، بدلاً من زيادة الضغوط المعيشية على السكان.
محمد راجح