التوتر في باب المندب: ناقلات تتخفّى للعبور وأخرى تلتفّ حول أفريقيا
اختارت ناقلة نفط عملاقة محملة بجزء من شحنتها من النفط الخام السعودي أن تسلك الطريق الأطول عبر قناة السويس متجهة نحو آسيا، بدلاً من المخاطرة بعبور مضيق باب المندب المكتظ بالتوترات، في مؤشر جديد على حالة القلق المتصاعدة في الملاحة البحرية بمنطقة البحر الأحمر.
وبحسب بيانات "كبلر"، ونقلتها وكالة بلومبيرغ اليوم الاثنين، فإن الناقلة اليونانية الملكية عبرت محملة جزئياً بالنفط السعودي، وهي متجهة الآن نحو وجهة آسيوية لم تحدد بعد انتقالها من أوروبا.
ونظراً لأن حجم الناقلة الكامل لا يسمح لها بعبور القناة وهي مكتملة الحمولة، فقد اضطرت، بحسب المعطيات ذاتها، إلى تفريغ نحو نصف حمولتها من محطة عين السخنة، على أن تُنقل تلك الكمية إلى سيدي كرير شمال مصر لإعادة الشحن قبل استئناف الرحلة.
هذا القرار يأتي في أعقاب إعلان الحوثيين فرض ما وصف بحصار على الملاحة في البحر الأحمر، وشن الحوثيين هجمات على عدد من السفن الأسبوع الماضي، ما دفع بعض الشركات الغربية إلى تفضيل الخيار الأكثر أماناً رغم كلفته الإضافية الكبيرة.
وبحسب "بلومبيرغ"، شركة VLCC، التي تملك القدرة على حمل مليوني برميل من النفط الخام، غير قادرة على عبور قناة السويس وهي محملة بالكامل لأن السفينة تبقى عميقة جدا في الماء.
ويطلب من الناقلة العملاقة تفريغ حوالي نصف حمولتها في عين السخنة على البحر الأحمر، ليتم نقل الكمية المفرغة عبر خط أنابيب شمالاً إلى "سيدي كرير" في شمال مصر، حيث يمكن للسفينة إعادة تحميلها قبل استئناف رحلتها.
وتشير بيانات تتبع السفن، بحسب ما ذكرته كبلر أيضاً، إلى أن ناقلة عملاقة أخرى كانت متوقفة عند مدخل قناة السويس بعدما أبحرت من داخل البحر الأحمر محمّلة جزئياً بالنفط الخام من ميناء ينبع السعودي، ويبدو من تجهيزاتها أنها متجهة نحو مصفاة نفط في الفيليبين.
وبحسب المصدر ذاته، فإن هذه السفينة كانت قد اختفت عن الأنظار مؤقتاً أثناء عبورها المفترض باب المندب، قبل أن تعاود الظهور بالقرب من السويس.
في المقابل، تفيد بيانات "كبلر" بأن الناقلات التابعة لدول ذات علاقة أقرب من إيران مثل الصين وباكستان، واصلت المرور عبر باب المندب دون تغيير يذكر في مسارها، بل إن بعضها أبحر علناً دون إخفاء هويته،
بينما فضّلت سفن أخرى، بحسب المصدر نفسه، إغلاق أجهزة تتبعها أثناء العبور تفادياً لأي استهداف محتمل.
كذلك، ووفقاً لبيانات كبلر، فقد عبرت ثماني سفن سلعية، معظمها ناقلات صغيرة وناقلات شحن، مضيق هرمز في يوم واحد، فيما غادرت سفينتان على الأقل الخليج محملتين بمادة النفثا مع إيقاف أجهزة الإرسال الخاصة بهما.
وتضيف البيانات ذاتها أن عدد السفن التي عبرت باب المندب في اتجاهين تراجع إلى أدنى مستوى يومي مسجل هذا العام، مع الإشارة إلى أن هذه الأرقام قابلة للتعديل مع توفر معلومات إضافية.
أزمة البحر الأحمر لم تعد مجرد ملف أمني بحت يقتصر أثره على حركة السفن وسلامتها، بل تحوّلت إلى عامل اقتصادي مباشر يعيد تشكيل معادلة نقل الطاقة عالمياً، بدءاً من كلفة الشحن والتأمين، وصولاً إلى زمن الرحلة وكفاءة سلاسل الإمداد.
فالفارق بين طريق قصير محفوف بالمخاطر وآخر طويل وآمن، ولم يعد قراراً تقنياً بحتاً بل أصبح حساباً اقتصادياً وسياسياً معقداً تتداخل فيه هوية الجهة المالكة للسفينة، وسوق المشتري، ومستوى تقبّل المخاطر لدى كل طرف.
كما يكشف التباين الواضح في سلوك الناقلات بين من يواصل العبور المباشر عبر باب المندب، ومن يفضل الالتفاف حول أفريقيا أو المرور بقناة السويس، عن خريطة جديدة من التحالفات والمصالح تتشكل في الظل، بعيداً عن التصريحات الرسمية.
وفي ظل هذا الغموض، تبقى بيانات كبلر أحد أهم المصادر التي تتيح رصد هذا التحوّل بدقة، سواء من خلال تتبع مسارات السفن، أو رصد حالات إيقاف أجهزة الإرسال، أو قياس التراجع الفعلي في أعداد السفن العابرة يومياً.
وهو ما يجعل من هذه البيانات أداة أساسية لفهم كيف تتحوّل التوترات إلى أرقام ملموسة تنعكس مباشرة على أسواق النفط والشحن العالمية في الأسابيع المقبلة.