عبد الحليم حافظ... عندليب المقارنات الفنية
لا أحد ينجو من المقارنات في عالم الفن، لا سيما الكبار والأكثر تأثيراً، لكن في العالم العربي جرت العادة أن تقتصر المقارنات دوماً بين المشاهير ومعاصريهم،
كأن تقارن أم كلثوم بمنيرة المهدية المطربة التي سبقتها وتربعت على العرش الطربي وحملت لقب السلطانة، لتأتي كوكب الشرق وتستأثر بالساحة، وبالأسماع والقلوب، ثم تظل أم كلثوم طرفاً أزلياً في مقارنة لا تنطفئ بينها والسيدة فيروز،
إذ ينقسم الجمهور العربي إلى حزبين عادة، أحدهما لثومة والثاني لجارة القمر، لكنها تظل مقارنات في السياق، إذ إن كلتا القمتين عاصرت الأخرى، والتقيتا وتعاونتا مع مبدعين مشتركين على رغم الفارق العمري الكبير.
إلا أن وحده عبدالحليم يقف على الخط وكأنه يولد كل يوم ويعاصر كل جيل، مقارنات بفريد الأطرش ثم محمد رشدي، ممن عاصروه، ثم هاني شاكر وكاظم الساهر وعمرو دياب وعماد عبدالحليم،
إنه ند دائم وتبدو أعماله صالحة ومتجددة، على رغم أن المقارنات في حد ذاتها قد تفتقر لأساس سليم، أبرزها أنه سبقهم بعقود وعقود. لكن الحقيقة أن عبدالحليم يخرج في كل منافسة حامية منتصراً، وكأن أغنياته صنعت لتوها.
أسابيع قليلة وتمر الذكرى الـ49 لوفاة العندليب عبدالحليم حافظ (1929 – 1977) الذي صنع مجداً شاهقاً بصحة معتلة وعقل فذ وموهبة وعاطفة لا نظير لهما، إرث هائل توفي صاحبه وهو في الـ47 من عمره،
أي سن الشباب الفني بمقاييس بعضٍ، فكثير من تلك الأسماء التي يتفنن بعضٌ في مقارنته بهم كانوا لا يزالون يبحثون عن هويتهم الفنية بعدما تخطوا مرحلة الأربعينيات،
بينما كان هو خطف قلوب عشرات الملايين من المستمعين الذين ظلوا على قيد الإخلاص لفنه، وأنهى فصول قصته الفنية خلال هذه السن الصغيرة بمقاييس هذا المجال.
الهضبة والعندليب... ميراث المقارنات
المقارنات تبدو مزعجة لمحبي عبدالحليم حافظ، لكن بتفنيد بنودها وبينها معايير العصر الذي لمع فيه، يبدو حليم سباقاً ومستمراً دون أن يقلل هذا من شأن الآخرين شيئاً، فما السر الذي يجعله يصمد في كل تلك التحديات؟
وهو الذي توفي بينما بعض من يقارنون به كانوا لا يزالون صغاراً بل ربما قرار احتراف الغناء كان بعيداً من أحلامهم خلال ذلك الوقت.
اللافت أنه مع قرب ذكرى عبدالحليم حافظ يتجدد الصراع المفتعل بينه وعمرو دياب على وجه التحديد، إذ انطلق هذا "التريند" قبل السوشيال ميديا نفسها قبل نحو ربع قرن، ثم ها هو يعود مجدداً من خلال تصريحات هنا وهناك،
فما الأساس الذي ينطلق منه هواة المقارنة بين هذين الاسمين؟
خرج الموسيقار هاني مهنا ووضع الفنانين في جملة واحدة، واضعاً مقارنة بين ذكاء كل منهما الفني، وواصفاً دياب بالظاهرة على رغم أنه لم يعترف به مطرباً بالمعايير الكلاسيكية للكلمة،
وقبلها كان الكاتب الصحافي إبراهيم عيسى قال صراحة إن عمرو دياب أهم من عبدالحليم، لا سيما كون شعبية الأول تجاوزت حدود الوطن العربي ووصلت إلى العالمية.
وعلى رغم أن غالبية الآراء ردت بانفعال يرفض فكرة المقارنة بين اثنين لم تجمعهما ساحة منافسة يوماً في عصر واحد،
فإن الحقيقة أن هناك ميراثاً من التصريحات التي تجمعهما دوماً في جمل مفيدة من حيث التأثير الفني والحضور في الثقافة الشعبية، فهناك قطاع كبير يعد عمرو دياب وهو المغني الذي حافظ على مسيرة مهمة وناجحة وراسخة ممتدة منذ خمسة عقود،
ظاهرة فنية تتمتع بذكاء حاد في الإدارة، مشيدين بتعامله مع موهبته وكونه نجا من التعثر الذي لاحق زملاءه الأكثر كسلاً على رغم قدراتهم الصوتية.
إلا أن الأمر الأهم هنا أن عمرو دياب نفسه منذ نهاية التسعينيات اتهم بالتقليل من شأن العندليب، واعتبار نفسه متفوقاً عليه، وبعد الهجوم الكاسح دأب دياب على نفي التهمة من خلال توضيحات متكررة في برامج تلفزيونية،
بل وفي مقالات صاغها بنفسه، وبعدها حرص على زيارة منزل عبدالحليم حافظ في الزمالك والتقاط الصور بجوار مقتنياته،
وكتب جملة على جدران البيت كان من المفترض أن تغلق باب النقاش، وهي "يكفيني أنني من هذا المجال الموسيقي الذي به أهم وأعظم موهبة غنائية عرفتها وعرفتها مصر والعالم العربي"،
وتبادل النقاش حينها مع السيدة علية شبانة شقيقة عبدالحليم الكبرى، حاول دياب تهدئة الجماهير مراراً مؤكداً أنه مثل غيره من المطربين يعد نفسه من أبناء عبدالحليم فنياً ويتعلم منه،
وهو دليل على أنه لم يكن يتوقع هذا الهجوم الذي تعرض له على خلفية المناوشات الكلامية حول رأيه في النجم الراحل.
جدل حول المعايير
لذلك، فإن فتح هذا الملف ثانية وعلى رغم تغير الجيل تماماً، فإنه قوبل بغضب كبير أيضاً، وبخاصة أن المتابعين يؤكدون فساد المقارنة،
فحتى المؤسسات العالمية المهتمة بالشأن الموسيقي دائماً ما تلجأ إلى طريقة مختلفة حينما تتحدث عن أجيال متباينة في عالم الطرب،
كأن يستندوا إلى تكنيك الغناء، أو مدى تأثيرهم في المجال، ومدى استمرارية شعبيتهم، ونسب الاستماع، مقارنة بالحقبة التي أنتجت فيها أعمالهم.
في النهاية اختار عمرو دياب هذه المرة الصمت، لأنه ببساطة لم يكن طرفاً في الأزمة، ولأن طريقته بصورة عامة في التعامل مع المشكلات تغيرت كثيراً مقارنة ببداياته، إذ بات أكثر تحفظاً في التعليق.
من جهته، يشير رئيس قسم النقد الموسيقي بأكاديمية الفنون الدكتور أشرف عبدالرحمن إلى أن هذه المقارنة تحمل ظلماً وإجحافاً وتفتقر للقاعدة المنطقية، رافضاً تقييم أي فنان في عصر سابق وفقاً لمعايير الزمن الحالي،
مضيفاً أنه لا يمكن التشكيك في نجومية وشهرة عمرو دياب وقدرته على الاستمرارية بسبب تمكنه من تطوير نفسه وحسن إدارته لإمكاناته، إذ أدرك مبكراً أن شخصية الفنان لم تعد تعتمد على الصوت فحسب.
إلا أن الناقد الموسيقي خلال الوقت نفسه يرى أن فتح باب المقارنات على مصراعيه مع عبدالحليم يعني أنه الأكثر تأثيراً وقرباً من جميع الأجيال، وأن أغنياته قادرة على العبور إلى أسماع وقلوب الجماهير مهما كانت أعمارهم وثقافتهم،
فإبداعه لا يفقد صلاحيته ولا طزاجته أبداً، لأنه ببساطة كان متطوراً وسابقاً لعصره بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.
لكن أستاذ الموسيقى بأكاديمية الفنون يحاول أيضاً تفنيد فكرة المقارنة مع المطرب الذي حظيت قصته الإنسانية بسبب مرضه العضال باهتمام كبير، وجعلت حكايته الفنية متداخلة مع ألمه،
فحملت تجربته معاني الصدق الخالص، يقول "هل يمكن مقارنة الآثار الفرعونية بناطحات السحاب؟
فناطحات السحاب بالطبع أكثر تطوراً تكنولوجياً ومعمارياً، لكن هذا لا يجعلها الأهم، بل على العكس فإن أصالة المعابد والأهرام يجعلها بمقاييس زمنها أكثر تطوراً ورسوخاً وصموداً،
ولهذا السبب، فإن مقارنة نجوم ينتمون إلى أجيال فنية مختلفة تفتقد للمنطقية والعلمية وتتسم بعدم العدالة، فهذه معادلة لا تصح ولا تجوز وهدفها زعزعة قيمة الرموز وتأثير القوة الناعمة".
طابور المطربين في مواجهة عبدالحليم
المقارنة بين عمرو دياب الذي يلقبه محبوه بالهضبة، وحليم تتخذ مساراً حاداً دوماً نظراً إلى الرصيد الذي يُستدعى من تصريحات قديمة،
لكن في حالة هاني شاكر على سبيل المثال فإن الأمر بدأ بمزحة طويلة الأمد، فحينما ظهر المطرب الملقب بأمير الغناء العربي على الساحة انتشرت شائعة تعامل كثر معها على أنها واقع،
وهي أنه يضع جهازاً في حنجرته كي يبدو صوته قريباً من عبدالحليم، وآخرون اتهموه بمحاولة التقليد، إذ كان أداؤه يعتمد على الأسلوب الرومانسي ذاته بنبرات صوت حنونة، كما أنه تميز في أغنيات عبدالحليم نفسها.
الأسلوب الرومانسي أيضاً هو الذي جعل كاظم الساهر يدخل ضمن مسار المقارنات نفسه مع العندليب الأسمر، لا سيما حينما انطلقت شهرته في مصر نهاية التسعينيات،
وحينها تبارى كثير من المتخصصين في إظهار أوجه الشبه بينهما، وخلصوا إلى أن المعاناة الشخصية واللون الرومانسي والحزن الذي يغلف الأداء من الأمور التي أججت تلك المقاربات،
وحين قال الشاعر الراحل عبدالرحمن الأبنودي الذي تعاون مع عبدالحليم مراراً، إن الساهر يبدو "مسكيناً ومغلوباً على أمره" وهو يؤدي أغنياته الحزينة،
مشيراً إلى أن الشيء نفسه يميز العندليب، لافتاً إلى أن هذه أمور تؤثر في الجمهور، وتجعل الفنان يدخل القلوب من دون استئذان.
اللافت أن فكرة البحث عن عبدالحليم جديد قادر على لم شمل جمهور من كل حدب وصوب، تبدو مؤرقة للوسط الفني، ولهذا يظهر دوماً كطرف في المناوشات الفنية من هذا النوع،
حتى إن الفنان عماد عبدالحليم (1960 – 1995) اتهم أيضاً بمحاولة تقليد عبدالحليم، وأنه يرغب في أخذ مكانته إذ كان يقدم لوناً رومانسياً خالصاً، وساعده صوته الحنون على التميز فيه،
والمفارقة هنا أن عماد عبدالحليم أصلاً كان مُتبنى فنياً من العندليب الأسمر، بل هو من منحه لقبه الفني بدلاً من عماد الدين علي سليمان.
سر المواكبة
هذا الحضور الدائم في الذاكرة هو شهادة دائمة على أن عبدالحليم حافظ قدم أعمالاً "شابة" ويعاد اكتشافها،
حتى إن أغنيته "ظلموه" التي أعيد توزيعها أخيراً وقدمتها الفنانة الصاعدة ياسمينا العبد بدت وكأنها عصرية تماماً وتلائم "جيل زد" الذي أغرق "تيك توك" بفيديوهات العمل الفني العابر للعصور، وهو أمر يثبته أيضاً دفتر زيارات منزل عبدالحليم حافظ.
وفقاً للمهندس عبدالحليم الشناوي وهو حفيد غير مباشر للنجم الراحل، فإن الصغار يحرصون على التعرف عن قرب على عبدالحليم حافظ، والصغار هنا مقصود بهم الأطفال والمراهقون والشباب في مقتبل العمر،
إذ يضيف "لاحظت أخيراً عقب إعادة افتتاح منزل عبدالحليم للزيارة مجدداً، زيادة نسبة الزوار من الأعمار الصغيرة الذين لديهم رغبة حقيقية في الاقتراب من حياة العندليب الذي لم يعاصروه من الأساس، وربما لم يعاصره آباؤهم وأمهاتهم أيضاً،
لكن التأثير الكبير ممتد وكأن صاحب تلك الأعمال كان يستشرف المستقبل وصنع أغنيات بمقاييس لا تضاهى، وهي تصلح لأن تكون متماشية مع سياق أي عصر بل وتتفوق عليه".
عبدالحليم حافظ الذي قدم نحو 300 عمل، وحقق نقلة وطفرة في عالم الطرب بأغنياته القصيرة، وحتى في أسلوبه في التواصل مع الجمهور،
إذ كان يسير بالشوارع يوقع لمحبيه على دفاترهم، وكأنه يعيش في المستقبل متعمداً طريقة فاجأت نجوم عصره في ما يتعلق بعناصر شخصيته الفنية،
إذ يعد أحد أبرز من لم يكتفوا بالموهبة الفطرية التي منحت لهم، لكنه دعمها بوسائل وأدوات غير تقليدية بالمرة سواء في اختيار الأسلوب الفني أو الأفلام، أو طريقة اختيار الملابس وأسلوب الظهور،
كما أنه دعم موهبته بظهور سينمائي لا يمكن تجاهله، إذ كان من نجوم الشباك وقتها وحققت أفلامه نجاحاً جماهيرياً كبيراً.
يرى رئيس قسم النقد الموسيقي بأكاديمية الفنون الدكتور أشرف عبدالرحمن أن أدوات عصر عبدالحليم كانت مختلفة تماماً، ضارباً المثل بأن السينما كانت مهمة للغاية لتأكيد حضور المطرب وتعريف الجماهير به،
مشيراً إلى أن المستمعين ظلوا أشهراً وربما أعواماً يستمعون للمطرب في الإذاعة دون أن يعرفوا شكله ولا تأتي فرص التعرف إلا بعد السينما والنجاح في الحفلات، ولهذا من الطبيعي أن يكون الانتشار العالمي صعباً، في ظل وجود عقبات للانتشار المحلي نفسه.
ويتابع الناقد الموسيقي "على رغم أن كلمة العالمية التي يقارن بعضٌ بها عبدالحليم مطاطة أصلاً، فليس معنى الحصول على جائزة دولية أن صاحبها حقق معايير العالمية الشاملة، وليس معناه أنه أفضل من عبدالوهاب أو أم كلثوم أو فيروز أو عبدالحليم،
والحقيقة أن سهولة التواصل خلال الوقت الحالي تسهل من الانتشار خارج الأقطار العربية كثيراً، إضافة إلى عوامل أخرى تجذب الأنظار بخلاف القيمة الفنية،
وكما قلنا ينبغي وضع الأمور في نصابها، فعلى سبيل المثال شروط اعتماد المطرب خلال القرن الـ19 تختلف عنها أثناء القرن الـ20 وكذلك خلال القرن الحالي،
فلنا أن نتخيل أنه كان يُرفض المغني لمجرد أن صوته ضعيف بعض الشيء وذلك في عصر ما قبل اختراع مكبرات الصوت، لأن الصوت غير القوي يعني أنه لن يتمكن من إسماع صوته للجالسين في الخلف بالصالة،
ثم جرى تخفيف تلك المعايير مع التطور التكنولوجي، دون التخلي عن القدرات الصوتية والعذوبة بالتأكيد، ثم تدريجاً أصبحت مفاهيم النجومية تتعلق بأساليب الجذب والستايل والفيديو كليب وأسلوب التواصل وغيره".
ويختتم الناقد أشرف عبدالرحمن وجهة نظره بتأكيد أن العبقرية لا تتجزأ، مشيراً إلى أن سيد درويش إذا ظهر خلال هذه الأيام كان سيحدث ثورة موسيقية تفوق ما يجري حالياً،
وأن عبدالحليم إذا ظهر خلال الوقت الحالي أيضاً كان سيقدم أعمالاً تسبق كل من معه على الساحة، لأن هذه سمات إبداعية لا تتأثر بالعصر،
لكن بالقدرة على المواكبة واستشراف المستقبل، ودلل على أن العندليب كان يحضر لعودة فنية مغايرة تماماً قبيل رحلته المرضية الأخيرة، لكن القدر لم يمهله.
وأوضح أنه "وفقاً للوثائق فقد كان يرى أنه من الأفضل أن يظهر بملابس كاجوال، وأن يتخلى عن البدلة الكلاسيكية حتى في الحفلات،
كما أنه كان ينوي التعاون مع الملحن هاني شنودة الذي كان يتبع أسلوباً مختلفاً في الأغنيات الخفيفة التي تحمل طابعاً مرحاً من خلال فرقته (المصريين)،
كما أنه قال إن الأغنيات الطويلة ستندثر، لهذا كان يخطط لأعمال مغايرة تماماً،
فقد كان دائم الاطلاع، إذ حرص على شراء آلة الأورج فور ظهورها ليعزف عليها الموسيقار مجدي الحسيني وسهر معه ليالي طويلة يسجل الألفي نغمة ويدون الملاحظات، ليتمكن من إضافة الأورج إلى فرقته بالطريقة المثلى".
حميدة أبو هميلة
كاتبة مصرية