إيطاليا تُحدث ثورة لإعادة هيكلة كرة القدم بعد فشل التأهل لمونديال 2026
أحدثت إيطاليا ثورة خلال الأيام الماضية، من أجل إعادة هيكلة كرة القدم في جميع المسابقات المحلية، بعد خيبة الأمل التي صدمت جماهير الرياضة، عقب الفشل بالوصول إلى بطولة كأس العالم للمرة الثالثة على التوالي، نتيجة الخسارة على يد البوسنة والهرسك بركلات الترجيح (4-1)، ضمن منافسات الملحق الأوروبي الحاسم المؤهل إلى مونديال 2026.
وأطلقت إيطاليا خطة إعادة بناء شاملة، من أجل العمل على إصلاح منافسات الدوري الإيطالي بدرجتيه الأولى والثانية، إذ تشمل هذه الخطة إصلاحات في الحوكمة والتدريب والاقتصاد، ما يعني ثورة ضخمة، تهدف إلى إنعاش النظام بأكمله، وفق ما ذكرته صحيفة لاغازيتا ديلو سبورت الإيطالية، التي كشفت أن هذه التحركات جاءت بعد خيبة الأمل في التأهل إلى مونديال 2026.
واستيقظت كرة القدم الإيطالية في وقت متأخر للغاية، لكن القائمين على اللعبة الشعبية الأولى في البلاد، يريدون الخروج من ظلام الهزيمة أمام البوسنة والهرسك في التصفيات الأوروبية الحاسمة، التي شكلت إهانة لمنتخب استطاع تحقيق لقب بطولة كأس العالم في أربع مرات، ما أحدث زلزالاً في الاتحاد المحلي، الذي أعلن رئيسه غابرييل غرافينا، استقالته مباشرةً، ليلحقه بعدها المدرب جينارو غاتوزو، ومدير المنتخب، جيانلويجي بوفون.
وينصب التركيز الآن على إعادة البناء، وتتجه الأنظار إلى الانتخابات الرئاسية للاتحاد الإيطالي لكرة القدم، التي من المزمع عقدها في 22 يونيو/ حزيران المقبل،
إذ يستعد العديد من الشخصيات لتجسيد هذا التجديد، وعلى رأسهم جيوفاني مالاغو، المرشح الأوفر حظاً بدعم بعض الأندية،
بينما يتصور آخرون حلاً رمزياً أكثر، يتمثل في اختيار أحد رموز اللعبة السابقين، مثل باولو مالديني أو أليساندرو ديل بييرو، لإعادة ربط الاتحاد بالجذور التاريخية لكرة القدم الإيطالية.
لكن إعادة بناء كرة القدم في إيطاليا لن تقتصر على مكاتب الاتحاد المحلي للعبة أو على الجهاز الفني في المنتخب الأول، بل ستتطلب تحولاً جذرياً في الكالتشيو، الذي يكافح حالياً لتجديد رونقه الكروي، سواءً من الناحية التكتيكية أو الفنية أو حتى من حيث التغطية الإعلامية.
فعلى الرغم من النتائج الإيجابية التي حققها الكالتشيو في دوري أبطال أوروبا و"يوروبا ليغ" ودوري المؤتمر الأوروبي في السنوات الأخيرة، إلا أنه لا يزال يُنتقد لافتقاره إلى الجاذبية وعجزه عن إنتاج مواهب هجومية جديدة قادرة على منافسة النجوم العالميين.
وأصبحت المقارنات مع نجوم كرة القدم الأوروبية الجُدد أمراً شائعاً، لأن إيطاليا لا تملك لاعبين مثل الفرنسي كيليان مبابي أو الإسباني لامين يامال، وهذا الغياب يرمز إلى مشكلة هيكلية أعمق، وبخاصةً مع الأداء المميز لمنتخبات الشباب في بطولة أوروبا وكأس العالم، إذ يُقدم لاعبون ومدربون وسياسيون سابقون تحليلات عديدة ودعوات للإصلاح لإنقاذ منظومة كرة القدم المتعثرة،
ويتفقون جميعاً على ملاحظة واحدة: "لقد ترسخ النظام الإيطالي الكروي تدريجياً في عادات تعيق تنمية المواهب الشابة وتعزز الاعتماد المتزايد على اللاعبين الأجانب".
وتُظهر الأرقام هذا التحول الجذري، إلى استنتاجٍ لافتٍ، بعدما ارتفعت نسبة اللاعبين الأجانب في الدوري الإيطالي بشكلٍ مطردٍ في السنوات الأخيرة، من 55.2% في موسم 2017-2018 إلى ما يقارب 69.1% في موسم 2025-2026، ولا يتجاوزها في النسبة سوى الدوري الإنكليزي الممتاز بنسبة 75.4%،
بينما تصل النسبة في الدوري البرتغالي إلى 73.8%، ما يعكس دور الكالتشيو المُعلن كدوري يُعنى بتطوير المواهب وتصديرها.
ويأتي الدوري الفرنسي في المرتبة الثانية بنسبة 64.9%، يليه الدوري الألماني بنسبة 61.4%، بينما يبقى الدوري الإسباني أكثر التزاماً بلاعبيه المحليين بنسبة 43.4% فقط، ويتجلى هذا التوجه بوضوح حتى في الفرق الرديفة لكل نادٍ في إيطاليا خلال السنوات الماضية،
إذ تستخدم أندية مثل إنتر ميلان وأتالانتا ويوفنتوس نسبةً كبيرةً من اللاعبين الأجانب في الدرجات الأدنى، ما يدل على أن هذه الظاهرة تنتشر في جميع مستويات كرة القدم الإيطالية. ويكمن وراء هذا التوجه مشكلة إدارية نادراً ما تُناقش خارج إيطاليا.
ويجعل نظام التعويضات المالية الذي يفرضه الاتحاد عمليات انتقال اللاعبين بين الأندية الإيطالية أكثر تعقيداً وتكلفةً بكثير من تلك التي تشمل أندية أجنبية،
ونتيجةً لذلك، غالباً ما يُعطي مسؤولو الأندية الأولوية للسوق الدولية على حساب تنمية المواهب المحلية، لكن في مواجهة هذا الوضع، يجري الآن التفكير في ثورة حقيقية، يقودها رئيس رابطة الكالتشيو، إيزيو ماريا سيمونيلي، الذي دعا إلى حملة إصلاح شاملة لآلية الانتقالات بهدف إنعاش السوق المحلية.
وتتلخص الفكرة في تبسيط الضمانات المالية المطلوبة للانتقالات بين الأندية الإيطالية، أو إنشاء نظام ضمانات مدعوم من الدولة، ربما من خلال معهد الائتمان الرياضي والثقافي، إذ تجري مناقشة المشروع مع وزير الرياضة، أندريا أبودي،
وقد يُصاحبه حوافز ضريبية للأندية التي تُنمّي لاعبين واعدين للمنتخب الأول، لكن وراء هذه الإصلاحات الاقتصادية يكمن هدف استراتيجي أوسع، إذ يعتزم نخبة كرة القدم مطالبة الحكومة بتخفيضات ضريبية، وتمويل عام للاستثمار في البنية التحتية الرياضية، وتوحيد الجهود لمواجهة قانون الاتحاد الأوروبي، الذي يحظر التعاقد مع لاعبين دون سن السادسة عشرة.
وتبقى مسألة وضع سياسة لدعم تنمية الشباب أمراً بالغ الأهمية، كما أن وجود إيطاليا قادرة على المنافسة على الساحة الدولية سيعود بالنفع على الأندية من خلال زيادة قيمة لاعبيها وتعزيز الصورة العامة للكالتشيو، رغم الأزمة التي تمر بها خلال السنوات الماضية، لأن الكثير منها بات مملوكاً لمستثمرين أجانب، الأمر الذي جعل القائمين على كرة القدم في البلاد يدركون هذه المعادلة،
وعليهم العمل على إصلاح منافسات الدوري بدرجتيه الأولى والثانية، حتى يكون الخزان الحقيقي لدعم المنتخب الأول بمواهب غابت عن المشهد خلال الأعوام المنصرمة.