من لبنان إلى هرمز... ألغام في طريق الوساطة الباكستانية بحرب إيران
في ظلّ الكثير من التساؤلات حول مستقبل وقف إطلاق النار المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران لمدة أسبوعين، تستعد باكستان لتستضيف غداً السبت، الحوار المباشر بين الطرفين الذي ينتظر أن تحضره وفود عدد من الدول، لا سيما الصين والسعودية.
لكن السؤال الأبرز الذي يطرحه الجميع، هو هل يستمر وقف إطلاق النار الحالي بين طهران وواشنطن، في ظل تنصل الأخيرة من بعض بنود التوافق، وفي ظلّ الخروقات التي ارتكبتها إسرائيل بتنفيذ هجمات دموية على أراضي لبنان،
والتي راح ضحيتها مئات الشهداء والجرحى (182 شهيداً و890 جريحاً في آخر حصيلة لوزارة الصحة اللبنانية بشأن الهجمات المكثفة التي طاولت الخميس مناطق مختلفة من لبنان، لا سيما بيروت).
ومن المفارقات الكبيرة التي تطرح في باكستان حالياً، قضية لبنان في ما خصّ التوافق بين واشنطن وطهران، والتباين في ما أعلنته إسلام أباد قبل بدء تطبيق اتفاق وقف النار وصمتت عليه واشنطن قبل أن تنفيه بعد دخول الهدنة حيّز التنفيذ.
ففي حين أكد رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، في منشور على "إكس"، أن وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين يشمل جميع الأطراف والجبهات وذكر لبنان خصيصاً، نفى الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونائبه جي دي فانس (الذي يتوقع أن يحضر المفاوضات)،
لاحقاً أن يكون لبنان جزءاً من ذلك التوافق، في إطار تعليقهما على الهجمات التي شنّتها إسرائيل، وهو ما قالته أيضاً المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت.
لكن مصدراً رفيعاً في الخارجية الباكستانية، مطلعاً على مجريات المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وطهران، والتي أوصلت إلى الهدنة المؤقتة من أسبوعين، قدم، رواية مغايرة تكشف تفاصيل الانقلاب الأميركي على التفاهمات.
وأكد أن موقف ترامب الذي تنصل فيه من شمول لبنان باتفاق التهدئة كان صادماً جداً للوسيط الباكستاني، لأن إسلام أباد طرحت القضية أكثر من مرة مع الجانب الأميركي بشأن شمول لبنان في وقف النار، وذلك لأن الجانب الإيراني لم يكن مستعداً لأن يقبل أي توافق دون شمول كافة الجبهات بما فيها لبنان واليمن، وأصر على هذه النقطة، بحسب المصدر.
ووفقاً للمصدر نفسه، بالتالي كان الوسيط الباكستاني تأكد من الجانب الأميركي أن لبنان مشمول في وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، ولكن وبشكل مفاجئ، تنصلت واشنطن من تلك المادة، وربما من بنود أخرى، ما كان مفاجئاً للوسيط الباكستاني.
وقال المصدر في الخارجية الباكستانية إن هذه النقطة بالذات تشير إلى مدى تضارب المواقف والمصالح، ومدى تعقيد عملية الوساطة، لأن الجانب الأميركي ليس وحده من يقرّر، بل إسرائيل تتدخل في القرارات، بل تفرض رأيها على واشنطن، والأخيرة يمكن أن تتراجع عن أي توافق طالما إسرائيل غير راضية، وهو أمر في غاية الخطورة،
لأن التفرد بلبنان لم يكن رغبة أميركية خلال المحادثات غير المباشرة، ولكن الأكيد أنه رغبة إسرائيلية وفرضت ذلك على واشنطن.
في هذا الصدد، رأى الأكاديمي الباكستاني محمد إحسان زمان، أن "تنصل واشنطن من بعض بنود التوافق بعد ساعات من إعلانه، واستهداف لبنان من قبل إسرائيل بهذا النوع من الهمجية،
يشير إلى النيّات السيئة لدى الجانب الأميركي والإسرائيلي، لأن الجانب الباكستاني، وتحديداً رئيس الوزراء شهباز شريف، لم يكن ليعلن عن بنود التوافق وتحديداً حول شمولية التوافق إلى لبنان وجميع الجبهات، لو أنه لم يحصل ذلك خلال المباحثات غير المباشرة"،
متسائلاً "كيف يمكن أن يعلن شريف ذلك دون أن توافق عليه واشنطن، كما أن مصادر مهمة في إسلام أباد تحدثت عن القضية، وعن أن الجانب الأميركي وافق حرفياً على أن يكون لبنان جزءاً من التوافق؟".
ولفت إلى أن استهداف إسرائيل للبنان خيّب آمال صنّاع القرار في باكستان، ولا شك أن فرص نجاح المفاوضات المستقبلية هشّة، وبعد ذلك، لا أرى أن هناك فرصاً لنجاح المفاوضات في المستقبل".
وقال الأكاديمي الباكستاني إن "المشكلة الأساسية هي إسرائيل، هي سرطان في المنطقة، من الممكن جداً أن تتوصل واشنطن وطهران إلى حلّ، وهما قد توصلا إلى توافق ولو بشكل مؤقت، ولكن إسرائيل وتحديداً رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو، المسيطر على إرادة الرئيس الأميركي، هو رأس المشكلة"
مشدداً على أن إسرائيل "لا تريد الأمن للمنطقة، خصوصاً في جوارها، لبنان وغزة وربما في المستقبل أيضاً في مصر والأردن، وسياستها أنها تتفرد بواحدة تلو الأخرى، وإذا تعاملت معها عدة جبهات، حينها تلعب بعقل واشنطن كما فعلت هذه المرة".
وبرأيه، فإنه "من هنا، بات من الضروري جداً أولاً إقناع واشنطن بأن يكون لها موقفها، نظراً لمصالح الدول المختلفة في المنطقة وليس نظراً لمصالح إسرائيل فقط".
ثانياً، كما أوضح، فإنه "ينبغي على دول المنطقة أن تعمل معاً من أجل أن تُلّقن إسرائيل درساً، كي تتيقن أن ما تسعى إليه من تغيير خريطة الشرق الأوسط أمر غير ممكن، وفي ما عدا ذلك لن يكون هناك أمن، والكل سيخسر".
هرمز عقدة أخرى
وفي رد على الانتهاكات الإسرائيلية على جبهة لبنان، تعثرت الحركة على مضيق هرمز، وتشير التقارير إلى أنه أن خلال اليوم الأول من وقف إطلاق النار، عبرت فقط 12 سفينة مضيق هرمز،
ما يؤكد أن طهران هي الأخرى بدأت تغيّر رأيها إزاء وقف إطلاق النار، ولا شك أن إغلاق مضيق هرمز رداً على استهداف لبنان، سيجعل واشنطن تعود إلى الحرب من جديد، وبالتالي تصل إسرائيل إلى مبتغاها، وهو استمرار الحرب وأن تكون الولايات المتحدة إلى جانبها.
وفي تعليق على الموقف المرتبك لواشنطن، اعتبر المحلل السياسي الباكستاني عطاء الله أنيس، أن أبرز التحديات التي تواجهها الوساطة الباكستانية بين طهران وواشنطن هو عدم وجود وسيلة ضغط على الطرفين، خصوصاً الجانب الأميركي، ومن أجل ذلك لم تكن إيران تعتمد على الوساطة الباكستانية.
وأضاف: "الآن عندما حصلت هذه الانتهاكات بسبب إسرائيل، خاب أمل إيران مجدداً بالوصول إلى حلّ مع واشنطن بوساطة باكستانية، وهناك شكوك كثيرة في الداخل الباكستاني حول دور إسلام أباد في المستقبل، إذا كانت كذلك قيمتها عند واشنطن"، وفق تعبيره.
وتساءل المحلّل: "عندما يعلن رئيس الوزراء الباكستاني بشكل خاص أن لبنان جزء من التوافق، ثم تأتي واشنطن وتقول الأمر ليس كذلك، فهل يعني أن باكستان ورئيس وزرائها قالا ذلك عن فراغ، أي منطق هذا؟
وكيف يمكن لإيران في المستقبل أن تعتمد على الوساطة الباكستانية ومن سيجبر واشنطن على العمل حول ما يتم الاتفاق عليه، وألا تسمع لإسرائيل بعدما تصل إلى توافق؟".
أسئلة حول مصالح باكستان
واعتبر أنيس أن "موقف باكستان أيضاً ليس موقفاً محبذاً، فهي أيضاً في موقف صعب، بعدما خسرت الإمارات، وتكاد أن تخسر السعودية بعد تبنيها موقف الحياد بعكس ما كانت تتطلع إليه دول المنطقة، خصوصاً الرياض وأبوظبي،
وإذا كان الأمر كذلك، فهي ستخسر إيران أيضاً، لأنه كان من المفترض، بعد الهجوم الأخير لإسرائيل على لبنان، أن تأتي باكستان وتُظهر للعالم موقفها الرسمي بشأن قضية لبنان وأنه جزء من التوافق، وأن تقول لواشنطن إنك وافقت على ذلك وما حصل خروج على التوافق، لكن من يستطيع أن يفعل ذلك؟".
واعتبر أن "إسلام أباد لا تستطيع أن تدين الهجوم الإسرائيلي الأميركي على إيران، فكيف لها أن تعلن علناً أن واشنطن تنصلت من التوافق، وأن لبنان كان جزءاً من التوافق، بل إنها ستلتزم الصمت وتطلب من الأطراف ضبط النفس، كما فعلت؟
وإذا كان الوسيط بهذه الدرجة من العجز، فماذا نتوقع منه في المستقبل؟".
صبغة الله صابر
صحافي باكستاني