الانهيار الكبير... الذكاء الاصطناعي يخنق شركات البرمجيات
في غضون أسابيع قليلة، انتقلت أسهم شركات البرمجيات من قمم قياسية إلى موجة بيع حادة محت مئات المليارات من الدولارات من القيمة السوقية، وسط تصاعد المخاوف من أن الذكاء الاصطناعي لا يهدد فقط نماذج الأعمال التقليدية، بل يعيد رسم خريطة الإنفاق المؤسسي بالكامل.
فبعد سنوات من النمو السريع المدفوع بنموذج الاشتراكات والإيرادات المتكررة، وجد قطاع البرمجيات نفسه في قلب عاصفة إعادة تسعير قاسية، مع تحول جزء متزايد من ميزانيات الشركات نحو البنية التحتية للذكاء الاصطناعي وأدواته.
تريليون دولار تتبخر
وفي الأسبوع الأول من شهر فبراير/شباط الجاري تكبدت شركات التكنولوجيا الكبرى (أمازون ومايكروسوفت وإنفيديا وميتا وغوغل وأوراكل) خسائر تجاوزت تريليون دولار من قيمتها السوقية،
وتراجعت القيمة السوقية لأمازون بأكثر من 300 مليار دولار، وهو أكبر انخفاض بين المجموعة، وفق بيانات شركة فاكت ست (FactSet)، المتخصصة في تحليلات الأسواق.
وأكد مؤسس منصة "SaaStr" الأميركية، جيسون ليمكين، وأحد أبرز خبراء قطاع البرمجيات كخدمة (SaaS)، في تحليل نشره قبل أسبوعين على المنصة، أن الانهيار الذي يشهده القطاع منذ مطلع عام 2026 يمثل تحولا هيكليا وليس مجرد دورة اقتصادية عابرة،
مشيرا إلى أن الأسواق دخلت رسمياً في سوق هابطة بعد تراجع صندوق "IGV" المتتبع لقطاع برمجيات المؤسسات بنسبة 22% عن ذروته.
وقال مدير الاستثمار في شركة "جي إيه إم إنفستمنتس" لشبكة CNBC، بول ماركهام، الجمعة الماضية، إن أسهم الشركات التي تطور الأجهزة اللازمة لبناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي ستواجه على الأرجح تقلبات مستمرة مع انتقال عدوى المعنويات إلى السوق.
وأضاف: "الأسئلة حول حجم الإنفاق الرأسمالي المرتبط بتوسعة نماذج اللغة الكبيرة، والعائد النهائي من ذلك، والخوف من التوسع المفرط في الطاقة الإنتاجية، ستظل قائمة".
وأظهرت بيانات التداول تعرض شركات تكنولوجية كبرى لضغوط مباشرة، إذ تراجع سهم "مايكروسوفت" بنسبة 11% بإحدى الجلسات، ما يمثل أسوأ أداء له منذ أوائل عام 2020،
بينما هبطت "سيرفيس ناو" بأكثر من 10% رغم إعلان نتائج تشغيلية فاقت التوقعات، ما يعكس تغيرا في مزاج المستثمرين، الذين باتوا يعيدون تقييم مستقبل القطاع في ظل تسارع الذكاء الاصطناعي.
زلزال يضرب الأسواق
وحذرت افتتاحية صحيفة فاينانشال تايمز، أول أمس الأحد، من أن القفزات المتسارعة في مجال الذكاء الاصطناعي، التي ظلت لفترة طويلة حبيسة المختبرات الرائدة، بدأت تحدث زلزالا مرئيا في أسواق الأسهم العالمية.
وأكدت الصحيفة أن الدمار الذي لحق بأسهم شركات البرمجيات خلال الشهر الماضي ليس سوى استيقاظ للمستثمرين على الإمكانات المزعزعة لهذه التكنولوجيا، وتحديدا ما يعرف بـ"وكلاء الذكاء الاصطناعي".
وأشارت الصحيفة إلى أن المصدر الرئيسي لقلق "وول ستريت" يتمثل في تحركات شركتي "أنثروبيك" و"أوبن إيه آي" لإطلاق أدوات عامة الأغراض.
وأوضحت أن هذه الأدوات قادرة على تنفيذ مهام معقدة، مثل تنظيم البريد الإلكتروني أو تحليل العقود القانونية، من دون أن يضطر المستخدم لفتح التطبيقات التقليدية.
ويمثل هذا التحول خطرا جسيما بإزاحة الشركات القائمة، حيث سيصبح "الوكيل الآلي" هو واجهة الحوسبة الأساسية، مما يمكن شركات الذكاء الاصطناعي من الاستحواذ على نصيب الأسد من ميزانيات تكنولوجيا المعلومات.
ولم تقتصر التحذيرات على شركات البرمجيات كخدمة (SaaS) فحسب، بل امتدت لتشمل قطاعات إدارة الثروات ومزودي البيانات (B2B).
وأوضحت الصحيفة أن الشركات الأكثر عرضة للخطر هي تلك التي تفتقر إلى خنادق دفاعية تحمي أعمالها، حيث يمكن لوكلاء الذكاء الاصطناعي تكرار عملياتها غير الأساسية بسهولة تامة.
أما الشركات التي تعمل كـ"نظم سجلات" وتحتفظ ببيانات مؤسسية جوهرية، فهي أكثر رسوخا، لكنها لا تزال تواجه خطر التراجع إلى الخلفية لتصبح مجرد مرافق أساسية مهملة تفوتها فرص النمو الكبرى.
واختتمت "فاينانشال تايمز" افتتاحيتها برسالة شديدة اللهجة، مؤكدة أن بناء أنظمة مؤسسية يستغرق وقتا، وأن العقبات التقنية مثل هجمات "حقن الأوامر" لا تزال قائمة،
إلا أن الأسواق المالية لن تنتظر أحدا. وشددت على أن شركات البرمجيات مطالبة بالتحرك بسرعة أكبر بكثير، محذرة من أن لحظة المحاسبة في سوق الأسهم عندما تحين، ستكون سريعة وقاسية على الجميع.
ومن جانبه فند ليمكين في تحليله المنشور على منصة "ساستر" الأميركية، السردية السائدة بأن وكلاء الذكاء الاصطناعي سيقتلون البرمجيات.
وأوضح أن أدوات مثل "Vibe Coding" (البرمجة بالحدس) قد تنجح في بناء نماذج تجريبية في ساعات، لكنها تعجز عن استبدال أنظمة السجلات الضخمة مثل Salesforce، التي تطلبت عقوداً من التطوير وآلاف الموظفين لضمان الأمان والامتثال.
وبحسب ليمكين، فإن القصة الحقيقية ليست في استبدال المنتج، بل في "تجويع الميزانية"، حيث قفزت ميزانيات الذكاء الاصطناعي بنسبة تتجاوز 100% سنوياً،
في حين لم ينمُ إجمالي الإنفاق على تكنولوجيا المعلومات إلا بنسبة 8% فقط، مما أجبر مديري التقنية على سحب التمويل من البرمجيات التقليدية لتغطية تكاليف الذكاء الاصطناعي.
5 قوى تخنق قطاع البرمجيات
وأوضح ليمكين أن قطاع البرمجيات يواجه حالياً ضغوطاً هيكلية غير مسبوقة تبلورت في خمس قوى رئيسية تخنق نموه؛ أولاها إعادة تخصيص الميزانيات داخل المؤسسات، حيث يجري توجيه جزء متزايد من الإنفاق نحو البنية التحتية وأدوات الذكاء الاصطناعي على حساب التراخيص التقليدية وصفقات التوسع.
وثانيها ما وصفه بـ"سأم التطبيقات"، إذ تتجه الشركات إلى تقليص عدد الموردين والاعتماد على منصات متكاملة بدل الحلول المنفردة لتخفيف التعقيد التشغيلي.
أما القوة الثالثة فتتمثل في ضغوط "عدد المقاعد"، حيث تؤدي أتمتة المهام إلى تقليص الحاجة إلى المستخدمين النهائيين، ما ينعكس مباشرة على إيرادات الاشتراكات، مع تقديرات تشير إلى إمكانية تآكل مبيعات التراخيص بنسب قد تصل إلى 90% في بعض القطاعات.
ويضاف إلى ذلك اعتماد العديد من الشركات على ما سماه "نمو الحصاد"، أي تحقيق زيادات في الإيرادات عبر رفع الأسعار داخل قاعدة العملاء الحالية بدلاً من توسيع قاعدة المستخدمين.
وأخيراً، أشار إلى أن الواجهات التقليدية لتطبيقات برمجيات الخدمات تبدو أقل جاذبية أمام صعود واجهات الذكاء الاصطناعي الأصلية، التي تعيد تعريف تجربة الاستخدام وترفع سقف توقعات العملاء.
واختتم ليمكين تحليله بتأكيد أن هذا الانهيار ليس كأزمة 2016 التي كانت دورية وانتهت بالتعافي، بل هو انهيار هيكلي يعيد تقييم القطاع بالكامل.
ووجه نصيحة للمؤسسين والمستثمرين بضرورة الانتقال من منطق بيع التراخيص والمقاعد إلى منطق بيع النتائج والقيمة المحققة.
كما شدد على أن امتلاك طبقة البيانات الأساسية داخل المؤسسات سيصبح عنصر الحسم في عصر الذكاء الاصطناعي، باعتباره الضمان الحقيقي للاستدامة والقدرة على البقاء في سوق يتجه بسرعة نحو نماذج أكثر ذكاءً وأقل اعتمادًا على الهياكل التقليدية.
وينقسم المستثمرون بين من يرى في الانهيار الكبير فرصة لإعادة الدخول عند تقييمات أكثر جاذبية، ومن يعتبره بداية تصحيح هيكلي طويل الأمد. فبعض الاستراتيجيين في وول ستريت وصفوا موجة البيع بأنها مدفوعة بالمشاعر وقد تكون مبالغاً فيها، وفقاً لتصريحات نقلتها "ياهو فاينانس".
وفي المقابل، حذر محللون آخرون من أن السوق قد يكون بدأ فقط في تسعير تباطؤ النمو الحقيقي. ولا يعني الانهيار الحالي نهاية قطاع البرمجيات، لكنه قد يمثل نهاية حقبة النمو السهل التي أعقبت جائحة كورونا.
وبينما تتقلب الأسواق وتعاد صياغة التقييمات، يبقى السؤال المركزي: هل سيتمكن قطاع البرمجيات من إعادة ابتكار نفسه ليصبح جزءاً أساسياً من ثورة الذكاء الاصطناعي، أم سيظل ضحية لإعادة توزيع الميزانيات؟