الذكاء الاصطناعي السيادي... معركة الدول على استقلالها الرقمي
بينما يتسارع انتشار الذكاء الاصطناعي عالمياً، محدثاً الهزة تلو الأخرى، ومؤثراً في القطاع بعد الآخر، يتزايد القلق من عدم القدرة على بناء وتشغيل أنظمة ذكاء اصطناعي مستقلة عن شركات التكنولوجيا العملاقة ومراكز بياناتها وبنيتها التحتية، الواقعة خارج حدود نفوذ الدولة وقوانينها.
وتتركز المخاوف حول تأثير عدم الاستقلالية هذه في الأمن القومي والاقتصاد المحلي والخصوصية والملكية الفكرية والقضايا الجيوسياسية. جعلت هذه المخاوف الأصوات تتعالى، مطالبة بما يسمى "الذكاء الاصطناعي السيادي".
الذكاء الاصطناعي السيادي هو قدرة دولة أو منظمة على تطوير الذكاء الاصطناعي ونشره وإدارته بشكل مستقل باستخدام بنيتها التحتية وبياناتها ونماذجها وكفاءاتها الخاصة.
تشير شركة ماكنزي للاستشارات إلى أن الأمر لا يتعلق بامتلاك التكنولوجيا، بل بالاحتفاظ بالسيطرة الكاملة على دورة حياة الذكاء الاصطناعي بأكملها، بدءاً بالحوسبة المادية ووصولاً إلى المنطق الخوارزمي.
ويوضح الخبير في الشركة نفسها، لوكا بينيتشي، أن "الذكاء الاصطناعي السيادي يُعرّف بأنه قدرة دولة أو منظمة على بناء الذكاء الاصطناعي وتشغيله وإدارته بما يتوافق مع قواعدها واحتياجاتها الأمنية وقيمها.
ويشمل ذلك أبعاداً عدة: بُعد جغرافي يتعلق بمكان وجود البيانات والحوسبة، وبُعد تشغيلي حول من يملك صلاحية تشغيل هذه الأنظمة وإيقافها، وبُعد تقني وملكية فكرية، وأخيراً بُعد قانوني، وهو مرتبط بالجهة القضائية المختصة".
الذكاء الاصطناعي السيادي والسيادة الرقمية
الذكاء الاصطناعي السيادي مصطلح أكثر تخصصاً من السيادة الرقمية. يعرّف منتدى الاقتصاد العالمي السيادة الرقمية بأنها القدرة على التحكم في مصيرك الرقمي، سواء لناحية البيانات أو الأجهزة أو البرامج التي تعتمد عليها وتُنشئها.
ويعرّفها مركز العلاقات الأفريقية الأوروبية بأنها الطبقة المادية (البنية التحتية، والتكنولوجيا)، وطبقة البرمجيات (المعايير، والقواعد، والتصميم)، وطبقة البيانات (الملكية، والتدفقات، والاستخدام).
وتتفق الدول عموماً على ضرورة دعم الصناعات التكنولوجية المحلية، ولا سيما في المجالات التي قد تنطوي على تبعات خطيرة على الأمن القومي.
لماذا الذكاء الاصطناعي السيادي ضروري؟
يشرح الخبير في شركة ماكينزي، علي أستون، أن الذكاء الاصطناعي السيادي أصبح أولوية استراتيجية لثلاثة أسباب رئيسية، هي:
ضغط المسؤولية: تُحمّل المحاكم بشكل متزايد مشغّلي هذه الأنظمة مسؤولية الأخطاء مثل التحيز أو الهلوسة، بينما يسعى البائعون جاهدين للحد من مسؤوليتهم. تبني أنظمة الذكاء الاصطناعي السيادية آليات تدقيق ورقابة فعّالة، ما يبني جدار حماية من المسؤولية.
المرونة الجيوسياسية: يقلّ الاعتماد على عدد محدود من شركات التكنولوجيا العالمية التي تسبب ثغرات أمنية، كالانقطاعات المفاجئة أو النزاعات الجيوسياسية.
الأثر الاقتصادي: إذا اعتمدت دولة ما كلياً على نماذج أجنبية، فإن القيمة الاقتصادية تتدفق نحو الخارج. يساعد الذكاء الاصطناعي السيادي على ضمان بقاء الثروة داخل البلاد قدر الإمكان.
وبناء الذكاء الاصطناعي السيادي يبدأ من بناء قدرات الذكاء الاصطناعي، وهو ما يتطلب قبل كل شيء استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي. تلخّص شركة إنفيديا للرقائق الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي في أربعة مكونات رئيسية:
قوى عاملة مؤهلة: مجموعة واسعة من المهارات والمواهب المحلية في مجال الذكاء الاصطناعي، بالإضافة إلى معرفة أساسية بالذكاء الاصطناعي لدى جميع فئات المجتمع.
تؤكد الشركة هنا أن التعليم مهم على جميع المستويات، بدءاً ببرامج العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات المبكرة، وصولاً إلى تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات.
نماذج وبيانات محلية: نماذج ذكاء اصطناعي واسعة النطاق، تُدرّب وتُضبط بدقة باستخدام بيانات محلية،
وتُستضاف وتُشغّل على بنية تحتية محلية، وتخضع فقط للقوانين المحلية. يضمن توطين النماذج ملاءمة مخرجات أنظمة الذكاء الاصطناعي للغة والثقافة والسياق الخاص.
نظام بيئي للذكاء الاصطناعي: يضم مستثمرين ومطورين وعلماء ورواد أعمال وعملاء من الشركات ومنظمات حكومية في مجال الذكاء الاصطناعي. وكذلك مصانع الذكاء الاصطناعي التي تكون مملوكة ومدارة محلياً.
وتكمن الفائدة الأكبر لمصانع الذكاء الاصطناعي في الشراكات بين القطاعين العام والخاص التي يمكنها توسيع نطاق البنية التحتية لتلبية احتياجات الابتكار المتزايد داخل البلدان والصناعات.
الذكاء الاصطناعي في دولة عربية أهم من الولايات المتحدة مثلاً، ففي الأخيرة كل شيء سيادي، لأن معظم الشركات الرائدة في الذكاء الاصطناعي والحوسبة أميركية أصلاً.
لكن العالم العربي مثلاً وجد نفسه يعتمد على أنظمة بيئية خارجية وشركات أجنبية. لا يتعلّق الأمر بالعرب فقط،
ففي أوروبا مثلاً هناك نوع من اليقظة بين الخبراء والحكومات حول بناء قدرات ذكاء اصطناعي خاصة لا تعتمد على الولايات المتحدة.
فرنسا مثلاً تمتلك نموذج ذكاء اصطناعي يدعى "ميسترال". كذلك كشفت تركيا، في يونيو/ حزيران الماضي، عن نموذجها اللغوي "بيلغه" (Bilge) في خطوة تحرّكها الحاجة إلى نموذج يفهم اللغة التركية ويعالجها بكفاءة أكبر من النماذج العالمية.
وفي حال بناء ذكاء اصطناعي سيادي حقيقي، تستفيد الحكومات والمجتمعات من المرونة والاستقلالية الاستراتيجية، وتستفيد الشركات من عدم الاعتماد على مورد واحد، ما قد يقلّل التكاليف وعدم التوافق.
هذا فضلاً عن المساهمة في الناتج المحلي الإجمالي، فتقدّر ماكنزي زيادة محتملة في الناتج المحلي الإجمالي في أوروبا بقيمة 480 مليار يورو. كذلك فإن ذكاءً اصطناعياً محلياً يكون طبعاً مناسباً أكثر للمعايير والثقافة والأطر القانونية المحلية بشكل أفضل.