الدراما اليمنية في مواجهة المجتمع
يستيقظ النقد اليمني مع كل رمضان ليصب جام غضبه على الإنتاج الدرامي، كطقسٍ موسمي اعتاده الناس حتى كاد يغدو جزءًا من شعائر الشهر.
غير أن هذا النقد يغفل جوهر التحول الذي تعيشه الشاشات اليمنية اليوم؛ تحول يتجاوز الترفيه العابر ليضع الفن في تماس مباشر مع عصب الواقع اليمني المثقل.
اللافت في هذا المشهد بروز وجوه شابة تحمل وعياً اجتماعياً نافذاً ورؤية جيلية صريحة. ففي مسلسل مدرسة المشاغلين ظهرت أسماء خرجت من فضاءات التواصل الرقمي، لكنها دخلت الدراما بحس فني ناضج.
هؤلاء الشباب إلى جانب فنانين مخضرمين، قدموا كوميديا سوداء شخصت بدقة أوجاع النظام التعليمي المتهالك.
وضع العمل يده على شح الإمكانات الحكومية، وعلى الضغط الاقتصادي الذي يدفع الطالب إلى الهروب من مرارة واقعه نحو المدرسة، ليجند نفسه وسط فراغ تربوي موحش.
كما كشف المسلسل تغوّل رأس المال داخل بنية المجتمع، محوّلًا التعليم من رسالة أخلاقية إلى بضاعة تُباع وتُشترى، وتُفسد الذمم التي كان يفترض أن تحرس وعي الأجيال. عند هذه النقطة تتآكل القيم الاجتماعية الأصيلة، ويغدو المال المعيار الوحيد للتقدير.
وتتضح خطورة المشهد في المسلسل أكثر مع انحسار الدور الأسري، حيث تتحول جماعة الأصدقاء إلى سلطة بديلة تصوغ قيم الشباب وسلوكهم، وعندما يغيب الرقيب المنزلي تحت ضغط المعيشة أو صراعات البيت، تتسع المساحات التي يدخل منها الانحراف.
في ذروة السرد يكشف المسلسل حقيقة أن هؤلاء الشباب ضحايا واقع مأزوم ومجتمع قاصر عن الاحتواء. أحلام غضة، وشخصيات في طور التشكل، وتطلعات مشروعة؛ جميعها تصطدم ببيئة لم تمنحهم سوى التيه.
وهكذا يدفع المراهق وحده ثمن انكسار منظومة كان يفترض أن تكون سياجه الحامي.
وعلى الضفة الأخرى يقدم مسلسل الضايعة نموذجًا متقدمًا للدراما اليمنية، حيث يتجلى الوعي الفني في كل أركانه؛ النص جزء من منظومة تشمل الإخراج، التصوير، المونتاج، والأداء التمثيلي.
الحبكة مصممة بدقة، وتصاعد الصراع محكوم بالمنطق النفسي والاجتماعي للشخصيات، ما يمنح العمل تماسكًا ملحوظًا للمشاهد الواعي.
التصوير يعكس إدراكًا بصريًّا متطورًا؛ الكاميرا تُوظف لإبراز الحالة النفسية للمشهد، وتكوين الكادر واختيار الإضاءة والمواقع يخدمان المعنى أكثر من كونهما زخرفًا بصريًّا.
المونتاج يحافظ على الإيقاع ويمنع الترهل، والأداء التمثيلي يوازن بين قوة المخضرمين وعفوية الوجوه الجديدة، ما يعزز مصداقية الشخصيات داخل السياق الاجتماعي.
هذا الوعي يجعل الضايعة نموذجًا للدراما اليمنية، التي تتجاوز النص لتفهم أن صناعة العمل الناجح تقوم على انسجام أدواته جميعًا، لا على فكرة جيدة فقط.
ومن خلال جلسات جمعتني بمبدعي العمل (كالفنان كمال طماح، والمخرج ياسر الظاهري، والمنتج الممثل عبدالله يحيى إبراهيم، والفنان الصاعد عبدالخالق المعمري)
بدا واضحًا حضور حس فني يسعى إلى صناعة دراما قادرة على المنافسة عربيًّا دون أن تنفصل عن أخلاقيات المجتمع اليمني.
يرصد الضايعة الفجوة بين الطبقات الاجتماعية، ويكشف كيف تتبدل العلاقات حين يتغير الموقع الاقتصادي للفرد أو الأسرة، فتطفو صراعات النفوذ والمال داخل المجتمع.
كما يغوص العمل في تجربة اليُتم بوصفها قسوة تصوغ شخصيات صلبة تكافح للوصول رغم ما يحيط بها. وفي الوقت نفسه يرسم صورة حادة للتفاوت الطبقي وآثاره على العلاقات الإنسانية،
ويصور الضياع الذي يبتلع الشباب حين تغيب الفرصة ويتآكل السند الأسري، فيغدون فرائس سهلة للممنوعات ومتاهات الفضاء الإلكتروني. ومع ذلك، لا يغفل إبراز ما يوجد في المجتمع اليمني من قيم التكافل والرحمة.
كل ذلك يفرض مراجعة صريحة لمفهوم المسؤولية. ليس من العدل أن يُلقى اللوم على المراهق وحده، بينما تبقى البيئة التي تصنع أزمته خارج دائرة المساءلة من فقر ضاغط، وفساد مؤسسي، وتفكك أسري متسع.
الدراما اليمنية الراهنة تؤسس لوعي يرفض اختزال الأزمات في سلوك الأفراد، ويوجه الاتهام مباشرة إلى البيئة الحاضنة.
استمرار هذا النهج هو الطريق الأجدى لترميم الوجدان الجمعي بعيدًا عن خطاب الوعظ، عبر تشريح صادم للواقع كما هو، فالإعلام المواجه للواقع وحده القادر على بناء وعي جمعي متماسك.
عماد الدين الغزالي
طبيب أسنان وكاتب يمني