"أولاد حارتنا"... رواية نجيب محفوظ تبحث عن شاشتها
يشكل تحويل الأعمال الأدبية الكبرى إلى الشاشة السينمائية رهاناً فنياً شاقاً، لكنه يتضاعف خطورةً وحساسية عندما يتطرق إلى أيقونة أدبية بحجم رواية "أولاد حارتنا" للروائي المصري نجيب محفوظ. تعود هذه الرواية اليوم إلى واجهة الأحداث مع إعلان الفنان عمرو سعد عن عمله على إنتاجها سينمائياً. وأكد سعد أنه حصل على حقوق عدد من روايات محفوظ من ورثته، موضحاً أنه في حال لم يجد نفسه مناسباً لأداء بطولة أي عمل يشتريه، فسيكتفي بالحضور فيه منتجاً، ومن أبرز هذه الأعمال: "أولاد حارتنا"، و"صدى النسيان"، ومجموعة من القصص القصيرة.
بدوره، أعرب المدير التنفيذي لدار ديوان للنشر (أصدرت الرواية أخيراً)، أحمد القرملاوي، عن بالغ سعادته بفكرة تحويل "أولاد حارتنا" إلى عمل فني، مشيراً إلى أن هذا المشروع سيرد على مزاعم صعوبة تحويل النص إلى شاشة السينما، وهي ذات الأسباب التي استند إليها من صادروه تاريخياً. ورداً على تلك المزاعم، استذكر القرملاوي الموقف التاريخي لنجيب محفوظ حين أكد أن الرواية لا تتناول الأديان أو الأنبياء، بل هي طرح فلسفي لطبيعة الأسئلة الكبرى حول الحياة.
تفتح هذه الخطوة الجريئة الباب مجدداً على مصراعيه لمناقشة العلاقة الممتدة والشائكة بين أدب محفوظ والسينما المصرية؛ وهو تاريخ حافل بشواهد التجسيد البصري الناجح الذي خلّد روايات بارزة مثل "اللص والكلاب"، و"القاهرة 30"، و"ثلاثية القاهرة".
في المقابل، توقفت تجارب أخرى عاجزة أمام عمق النص الأبوي في كتابات محفوظ الإنسانية والفلسفية، ما يطرح التساؤل الملح: هل ينجح الرهان الجديد في نقل عالم الحارة الفلسفي والرمزي المعقد إلى شاشة السينما، أم سينضم إلى قائمة المحاولات التي لم تستطع مضاهاة الثقل الفكري والأدبي للنص الأصلي؟
نجيب محفوظ لحظة إعلان فوزه بنوبل الآداب في 14 أكتوبر 1988 (مايك نلسون/فرانس برس)
موقف
الاقتباس السينمائي: الخيانة جميلة أحياناً
ورغم أن أدب نجيب محفوظ ظل خزيناً لا ينضب لصناع السينما، إلّا أن الشاشة الفضية خانت نصه في مناسبات عدة، وتحولت بعض أعماله الخالدة إلى معالجات سطحية أفرغتها من مضمونها الفلسفي والفكري.
ومن أبرز هذه النماذج فيلم "الحب تحت المطر"، الذي وصفه عدد من الكتّاب والنقاد بـ"الجريمة السينمائية"؛ إذ عجز الفيلم عن ملامسة روح الرواية الأصلية.
وكذلك فيلم "الحرافيش"، إذ أجمع النقاد على أنه تعرض لتفكيك إنتاجي فادح عبر تجزئته إلى أفلام منفصلة، ما أحال الملحمة ذات البعدَين الفلسفي والاجتماعي إلى مجرد أفلام فتوّات وآكشن تجاري مجرد من معناه الأدبي الأصلي.
كما أثار فيلم "المذنبون"، المأخوذ عن روايته وأخرجه سعيد مرزوق، عاصفة من السجالات بعد إضافة خطوط درامية وشخصيات جريئة ودخيلة لم توجد في النص الأصلي، ما دفع محفوظ نفسه إلى التبرؤ علناً من تلك التعديلات التي شوهت عالمه الروائي.
وفي حوارات سابقة له، سبق أن أشار نجيب محفوظ إلى أن تحويل رواياته إلى أفلام حقق مكسباً أدبياً هائلاً بنقلها من متناول آلاف القراء المحدودين إلى ملايين المشاهدين.
ورغم اعترافه بضعف المستويَين الفني والموضوعي لتلك الأفلام، إلّا أنه حمل المسؤولية للسينما المصرية في تلك الفترة، معتبراً أن "فاقد الشيء لا يعطيه"،
ومؤكداً أن تقديم الأعمال في صورة متواضعة يبقى أفضل بكثير من حجبها أو عدم تقديمها من الأساس.
وفي السياق نفسه، انتقد محفوظ تعنّت بعض النقاد الذين عزلوا أفلامه عن السياق العام للسينما المصرية الهابطة أصلاً، مشيراً في المقابل إلى ندرة الأعمال الفنية والفكرية المكتملة في تاريخ السينما المصرية مثل فيلم "المومياء".
يوضح الناقد السينمائي محمود قاسم، في كتابه "نجيب محفوظ بين الفيلم والرواية"، أن تجربة اقتباس الأدب المحفوظي للشاشة الكبيرة مثلت محطة محورية كشفت عن تباين عميق بين آليات الكتابة الروائية وأدوات الصناعة السينمائية.
فبينما نجحت هذه الأفلام في كسر حاجز النخبوية ونقل عوالم محفوظ السردية من متناول آلاف القراء إلى وجدان ملايين المشاهدين، واجهت في المقابل محاذير إنتاجية ورقابية وفنية، دفعت صناع السينما أحياناً إلى اختزال البعد الفلسفي للعمل، أو تعديل النهايات والخطوط الدرامية لإرضاء شباك التذاكر،
وهو ما يجعل هذه الثنائية سجالاً مستمراً بين أصالة النص الأدبي وحتمية التفسير البصري.
بدورها، ترى الناقدة خيرية البشلاوي أن الشاشة البيضاء كان لها الفضل الأكبر في منح مؤلفات نجيب محفوظ بعداً جماهيرياً، إذ ساهمت السينما في تقريب هذه الإبداعات إلى قطاع عريض من الجمهور الذي يفضل متابعة الأفلام على قراءة الروايات.
و تشير البشلاوي إلى أن الأفلام السينمائية نجحت في نشر أدب صاحب "اللص والكلاب" في العالم العربي،
لافتة إلى أن هذه النقلة ظلت إيجابية ومجدية حتى في التجارب الضعيفة، بغض النظر عن تباين القدرات الإخراجية للأعمال المقتبسة. تقول إنّ الروائي الراحل كان يحترم استقلالية الفنون الأخرى تماماً؛
فلم يكن يفرض رأيه أو يعقب على النسخ السينمائية المأخوذة من كتبه، إيماناً منه بأن مهمته تنتهي فور خروج النص مطبوعاً، ليترك زمام الأمور لصنّاع السينما باعتبارهم أصحاب الاختصاص في وسيطهم البصري الجديد.
وعن رأيها في خطوة تحويل رواية "أولاد حارتنا" إلى عمل فني، ترى البشلاوي أنها خطوة بالغة الصعوبة، معتبرة أن إنتاج عمرو سعد لها من دون المشاركة ممثلاً هو أمر يحسب له، ويدل على رغبته الحقيقية في المغامرة ودعم الفن.
يذكر أن رواية "أولاد حارتنا" شهدت فور صدورها سجالاً كبيراً؛ إذ رأى معارضوها أنها حاولت محاكاة أسلوب السرد القرآني وتسمية شخصياتها برموز دينية مقدسة.
وبلغت الأزمة ذروتها حين اعتبرها الشيخ محمد الغزالي عملاً كفرياً ومجدفاً، ما أثار الرأي العام بشدة ودفع بعض الكتاب والمثقفين إلى تقديم بلاغات رسمية ضد الرواية ومؤلفها إلى كل من النائب العام، ومشيخة الأزهر، ورئاسة الجمهورية.
وأمام تصاعد تلك الاحتجاجات، أصدر الرئيس جمال عبد الناصر قراراً بتشكيل لجنة أزهرية برئاسة الشيخ محمد الغزالي وعضوية الشيخ سيد سابق لتقييم العمل،
وانتهت في تقريرها إلى أن الرواية تتطاول على المقدسات الدينية والذات الإلهية. وحرصاً على احتواء الأزمة سياسياً واجتماعياً، أوفد الرئيس عبد الناصر مستشاره حسن صبري الخولي لترتيب لقاء مباشر بين محفوظ وعلماء الأزهر لمناقشة أفكار الرواية وفلسفتها.
ورغم موافقة الأديب المبدئية، تعذر عقد اللقاء بسبب تغيب أحد الشيوخ عن الموعد المحدد، ليحسم الرئيس عبد الناصر الأمر في النهاية برفض مصادرة الكتاب رسمياً، مع فرض حظر على تداوله وطباعته داخل الأراضي المصرية
مروة عبد الفضيل