عن المعنى الحقيقي لليمن بعد التحرير
لا شك في أن القيادة حين تتوحد ويتكامل القرار العسكري، لا تعود الجبهات مجرد مساحات متفرقة للاشتباك، بل تتحول إلى منظومة وطنية تتجه بإرادة واحدة نحو غاية واضحة.
فالقوة العسكرية لا تقاس بعدد المقاتلين والأسلحة وحدها، وإنما بـ"قدرتها" على تنظيم طاقتها وتنسيق حركتها وربط أهدافها بالمصلحة الوطنية العليا.
تكتسب وحدة القرار هنا أهميتها، لأنها تنقل الجيش في اليمن من حالة "تشتت الجهود" إلى حالة "الفعل المنظم"، وتجعله أكثر قدرة على أداء وظيفته الأساسية في حماية الجمهورية واستعادة مؤسسات الدولة وصون كرامة اليمنيين وحقوقهم.
وحين يصبح القرار العسكري واحداً، تصبح الجبهة الوطنية أكثر وضوحاً، ويغدو الطريق نحو استعادة الدولة أقل قابلية للتشظي.
من هذا المعنى، وفق ما هو موضح أعلاه، تبدو الحاجة ملحة أكثر من أي وقت مضى إلى أن تتكامل الجبهات لدى الحكومة اليمنية الشرعية من مأرب والجوف والضالع وتعز وصولاً إلى الساحل الغربي، لا لكونها ميادين منفصلة،
وإنما لأنها أجزاء من معركة وطنية واحدة. فكل جبهة حين تسند الأخرى، تتضاعف قدرتها على الصمود والتقدم، وكل نجاح يتحقق في ميدان لا شك يترك أثره في معنويات المقاتلين في بقية الميادين.
ليست المسألة إذاً توزيعاً جغرافياً للقوة، بل توحيداً للهدف والإرادة، لأن المعركة في جوهرها واحدة، والتهديد الذي يواجه الدولة واحد، والغاية التي يتطلع إليها اليمنيون واحدة: استعادة صنعاء وكل شبر من الأرض اليمنية إلى إطار الدولة ومؤسساتها.
ولذلك فإن احتفاء غالبية اليمنيين بتوحيد القرار العسكري لا ينبغي في اعتقادي النظر إليه بوصفه مجرد تفاعل مع تطور ميداني عادي، وإنما بوصفه تعبيراً عن حاجة أعمق إلى جيش وطني قوي يتعين عليه أن يستعيد مكانته الطبيعية كونه سند الشعب وحصن الجمهورية.
لاحظوا معي من فضلكم أن الناس الذين أنهكتهم سنوات الحرب لا يبحثون عن انتصار عسكري منفصل عن حياتهم، بل عن قوة تحمي أمنهم وتعيد مؤسساتهم وتمنحهم شعوراً بأن الدولة قادرة على الدفاع عنهم.
ومن ثم، يصبح دعم القوات المسلحة مسؤولية وطنية تتجاوز الحسابات السياسية الضيقة، وأرى أنها تتطلب من الجميع تجاوز الخلافات وتقديم مصلحة اليمن على المصالح الخاصة، لأن الدولة حين تضعف لا يدفع ثمن ضعفها طرف سياسي واحد، بل يدفعه المجتمع بأكمله.
وتزداد قيمة وحدة القوات المسلحة لأنها تعني، في جوهرها، إنهاء تشتت الجهود وتوجيه الطاقات نحو هدف وطني جامع. فالانقسام لا يبدد القوة فحسب، بل يمنح الخصم فرصة للتعامل مع كل جبهة على أنها قضية منفردة يمكن عزلها واستنزافها.
أما حين تتكامل القيادة والمعلومات والتخطيط والقرار، يصبح من الصعب تحويل الجغرافيا إلى أداة لإضعاف الجبهة الوطنية.
في هذا السياق، فإن عناصر القوات المسلحة في مختلف الميادين لا يحملون مسؤولية منطقة بعينها، وإنما يحملون أمانة وطن بأكمله.
إنهم يقفون في مواجهة مشروع أضر بمؤسسات الدولة وهدد فكرة المواطنة المتساوية، ولذلك فإن توحيد الجهود حول الدولة في تقديري ضرورة تاريخية.
وقد جاءت التطورات العسكرية الأخيرة لتؤكد هذه الحقيقة بصورة عملية.
فعندما خرقت الميليشيات الحوثية الهدنة وشنت هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة على مأرب وحضرموت والمخا وعدد من الجبهات، وامتد التصعيد إلى مناطق مدنية، بدا أنها تراهن على قدرة الهجوم على فرض إيقاعها واستدراج خصومها إلى ردود فعل متفرقة.
بيد أن الرد العسكري الحازم للقوات المسلحة اليمنية أظهر أن الحسابات قد تغيرت، وأن اختبار الجاهزية لم يعد مضمون النتائج كما كان يُفترض.
وهذه النقطة بالذات مهمة، لأن الردع لا يتأسس على "الرغبة في الحرب"، وإنما على "امتلاك القدرة" التي تجعل الاعتداء مكلفاً، وتمنع الطرف الآخر من الاعتقاد بأن الصمت ضعف أو أن ضبط النفس يعني غياب القدرة على الدفاع.
وعليه، يمكن فهم المحاولات التي قامت بها الميليشيات الحوثية باتجاه جبهات الحديدة ومأرب وتعز ولحج والضالع كونها اختباراً لجاهزية القوات الحكومية الشرعية وقدرتها على التعامل مع تصعيد متزامن.
وقد أظهرت التطورات أن يقظة القوات المسلحة اليمنية وتكاملها الميداني يمكن أن يحولا دون تحقيق اختراقات تمنح الميليشيات الحوثية أفضلية سياسية أو عسكرية.
الأهم من ذلك في تصوري يكمن في أن هذه المواجهات كشفت أن المعادلة ليست ثابتة، وأن سنوات الحرب، على قسوتها، لم تُسقط قدرة اليمنيين على الدفاع عن مناطقهم ومؤسساتهم.
فحين يتراجع عنصر المفاجأة، ويصبح التنسيق أكثر فاعلية، تتغير طبيعة المواجهة نفسها، ويصبح الجيش أكثر قدرة على حماية ما تحقق واستثمار اللحظة العسكرية لمصلحة هدف أكبر يتجاوز مجرد صد الهجمات.
في الواقع قلب هذا الرد العسكري حسابات الميليشيات الحوثية لأنها حاولت أن تجعل من التصعيد وسيلة لفرض إيقاعها على الميدان وعلى الخطاب العام في آن معاً.
غير أن فشل محاولاتها في تحقيق أهدافها الميدانية أضعف قدرتها على تقديم التصعيد بوصفه دليلاً على التفوق، وأظهر في المقابل أن القوة حين تكون "منضبطة" ضمن قرار وطني تصبح أكثر تأثيراً من القوة التي تتحرك وفق حسابات منفردة.
تبرز هنا أهمية المعنويات، فالحرب لا تُدار بالسلاح وحده، وإنما أيضاً بالثقة في القدرة على الصمود والإحساس بأن الجهود لا تضيع في اتجاهات متعارضة.
وكلما اتسعت هذه الثقة داخل صفوف القوات المسلحة والمجتمع، أصبح من الصعب على الميليشيات الحوثية تحويل الخوف والإرهاق إلى أدوات لإدامة سيطرتها.
وفي ضوء ذلك، تبدو الشرعية اليوم أمام فرصة قد لا تعوض لإعادة ترتيب أولوياتها على أساس أكثر تماسكاً، لأن توحيد القرار العسكري وتكامل الجبهات سيمنحان القوات المسلحة قدرة أكبر على الرد وسيحميان المناطق المحررة وسيعززان الثقة بإمكانية استعادة الدولة.
غير أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لبناء مستقبل مختلف، إذ ينبغي أن يرافقها قرار سياسي واضح، ومؤسسات أكثر كفاءة، وخطاب وطني مسؤول يتسع للجميع.
فالمطلوب في تصوري ليس استبدال انقسام بانقسام آخر، ولا إنتاج سلطة جديدة خارج منطق الدولة، وإنما إعادة الاعتبار للدولة كونها الإطار الوطني الذي يحمي الجميع.
وكل خطوة جادة في هذا الاتجاه ينبغي أن تقاس بقدرتها على "تقليص مساحة الفوضى" و"توسيع مساحة المواطنة المتساوية" و"سيادة القانون".
ولهذا أرى أن اليمن يستحق من جميع قواه السياسية والعسكرية أن تنظر إلى خلافاتها من موقع المسؤولية التاريخية، لا من زاوية المكاسب الموقتة.
فالخلاف السياسي مشروع ما دام يجري داخل قواعد الدولة، لكن تحويل الخلاف إلى عائق أمام استعادة الدولة يعني منح الانقلاب فرصة إضافية لإطالة أمد الأزمة.
في الواقع إن توحيد الجبهات يعيد ترتيب الأولويات الوطنية ويضع تحرير البلاد وإنهاء سيطرة الميليشيات الحوثية واستعادة المؤسسات في مقدمة المهام، من دون أن يعني ذلك إلغاء التعدد أو مصادرة حق الاختلاف.
المطلوب هو أن تتقدم القضية الوطنية على الحسابات الضيقة، وأن يدرك الجميع أن اليمن الذي أنهكته الحرب لن يستطيع بناء سلام مستدام "ما لم يمتلك أولاً" دولة قادرة على حماية نفسها ومواطنيها.
في نهاية المطاف، تبقى صنعاء عاصمة كل اليمنيين، وتحريرها، إلى جانب بقية المناطق الخاضعة لسيطرة الميليشيات الحوثية،
ليس مشروع غلبة جغرافية أو انتقاماً سياسياً، وإنما خطوة نحو استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب وإسقاط أوهام التفوق السلالي والعنصري التي تتناقض مع معنى المواطنة والدولة المدنية.
فضلاً عن ذلك فإن القوة التي "ستحرر الأرض" ينبغي أن تكون هي ذاتها القوة التي "ستفتح الطريق" أمام السلام،
سلام يقوم على حوار حقيقي لا يستثني أحداً، وعلى حل سياسي شامل وعادل ومستدام، وعلى دولة يتساوى فيها اليمنيون أمام القانون.
فاستعادة الدولة ليست نهاية الحرب فحسب، بل بداية المعنى الحقيقي لليمن:
وطن يتسع لجميع أبنائه بحيث لا يكرر أخطاء الماضي، ويصون أمنه وسيادته، ويحفظ أمن جيرانه، ويمنح الإنسان اليمني حقه في أن يعيش حراً وكريماً.
سامي الكاف
صحافي وكاتب يمني