علاج السُكري المستخدم في العالم منذ 60 عاماً تبين أنه يؤثر على الدماغ
خرج علماء بنتيجة صادمة تتعلق بمرض السكري والعلاج التقليدي الشائع المستخدم لمكافحة هذا المرض على نطاق واسع في مختلف أنحاء العالم، وهذه النتيجة مفادها أن هذا الدواء الذي يستخدمه ملايين البشر في كل مكان يؤثر بشكل أو بآخر على الدماغ، وهو ما يوجب على الأطباء التفكير بصورة مختلفة حيال هذا الدواء.
وعلى مدى عقود، كان دواءٌ واحدٌ هو الدواء الرئيسي المُستخدم لعلاج داء السكري من النوع الثاني، لكن الأبحاث تُشير إلى أننا ما زلنا بحاجة إلى معرفة المزيد عن كيفية عمله داخل الجسم.
وحسب تقرير نشره موقع «ساينس أليرت» العلمي المتخصص فإن دواء «ميتفورمين» يُسبب ضرراً للدماغ، وهو ثاني أكثر الأدوية شيوعاً في الولايات المتحدة، وتمّ تصنيعه لأول مرة عام 1922، ويُستخدم على نطاق واسع لعلاج داء السكري من النوع الثاني منذ منتصف القرن العشرين في مختلف أنحاء العالم.
وخلال تلك الفترة، اشتهر الميتفورمين بفعاليته القوية في خفض مستوى الغلوكوز في الدم. لكن دراسة نُشرت في مجلة «ساينس أدفانسز» كشفت أن الدواء يؤثر أيضاً على جزء من الجسم لم نكن نُدركه من قبل، ألا وهو الدماغ.
عملية استقلاب الغلوكوز
وقال عالم الأحياء العصبية ماكوتو فوكودا من كلية بايلور للطب في الولايات المتحدة: «من المُسلّم به أن الميتفورمين يخفض مستوى الغلوكوز في الدم بشكل أساسي عن طريق تقليل إنتاج الغلوكوز في الكبد».
وأظهرت دراسات أخرى أن الميتفورمين يعمل عبر الأمعاء، لذا بحثنا في الدماغ، باعتباره منظماً رئيسياً لعملية استقلاب الغلوكوز في الجسم، ودرسنا ما إذا كان الدماغ يساهم في التأثيرات المضادة لداء السكري للميتفورمين، وكيفية ذلك.
وتقليدياً، اعتقد العلماء أن الميتفورمين يخفض مستوى الغلوكوز في الدم عن طريق تنشيط إنزيم في الخلايا يُسمى بروتين كيناز المنشط بالأدينوزين أحادي الفوسفات «AMPK».
لكن مع مرور الوقت، ظهرت أدلة تشير إلى أن تأثير الدواء قد يتجاوز ذلك بكثير، ما يعني أن للميتفورمين تأثيرًا خفيًا على ملايين المرضى حول العالم.
ويوضح فوكودا وفريقه في بحثهم: «كشفت عقود من البحث تدريجياً عن صورة أكثر تعقيداً لآلية عمل الميتفورمين، موسعةً بذلك المنظور الأولي لتحسين مستوى السكر في الدم في الكبد، والذي يعتمد على AMPK، ليشمل آليات عمل متعددة في أعضاء الجسم المختلفة».
ولاختبار مدى تأثير الميتفورمين، وتحديداً ما إذا كان يمتد إلى الدماغ، استخدم الباحثون نموذجاً حيوانياً (فئران معدلة وراثياً) تفتقر إلى بروتين «Rap1» في منطقة من الدماغ تُسمى «VMH».
وفي دراسة سابقة أجراها مختبر فوكودا، أظهر الباحثون أن بروتين «Rap1» في منطقة «VMH» يُساعد في تنظيم مستوى الغلوكوز في الدم وتوازن الطاقة لدى الفئران.
وفي دراستهم اللاحقة، أراد الفريق معرفة ما إذا كان بروتين «Rap1» في النواة البطنية الإنسية للوطاء يُساهم أيضًا في آلية عمل الميتفورمين في الجسم، مما يُشير إلى أن تأثير الدواء في خفض مستوى الغلوكوز يشمل الدماغ أيضًا، وليس الكبد والأمعاء فقط.
وأظهرت التجربة أنه عند حذف جين «Rap1» في الفئران، مما يمنع خلاياها من إنتاج بروتين «Rap1»، لم يُجدِ الميتفورمين نفعاً في خفض مستويات سكر الدم لدى الحيوانات التي تتغذى على نظام غذائي غني بالدهون لمحاكاة داء السكري من النوع الثاني.
واستجابت الفئران التي تعاني من نقص Rap1 لأنواع أخرى من أدوية السكري، بما في ذلك الأنسولين ومحفزات GLP-1، ولكن عدم استجابة هذه الحيوانات للميتفورمين يشير إلى أن الدواء يعتمد على مسار Rap1 في منطقة VMH لتحقيق تأثيره.
وقال فوكودا: «هذا الاكتشاف يُغير نظرتنا إلى الميتفورمين، فهو لا يعمل فقط في الكبد أو الأمعاء، بل يؤثر أيضاً في الدماغ».
ولم يكتفِ الباحثون بذلك، ففي تجربة أُجريت على فئران بدينة، حقن الباحثون جرعة صغيرة من الميتفورمين مباشرة في أدمغة الحيوانات، ووجدوا أن الدواء خفض مستويات سكر الدم لديها بشكل ملحوظ.
وأضاف الباحثون في ورقتهم البحثية: «لوحظ هذا التأثير بجرعة ضئيلة تصل إلى 1 ميكروغرام من الميتفورمين، وهي أقل بآلاف المرات من الجرعات المطلوبة للإعطاء عن طريق الفم أو الحقن الوريدي في الدراسات التي أُجريت على القوارض،
مما يشير إلى أن الدماغ شديد الحساسية للميتفورمين».
ووفقاً للفريق، يعمل الميتفورمين في الدماغ عن طريق تنشيط خلايا عصبية تُسمى خلايا SF1، والتي تُساعد في تنظيم العمليات الأيضية في الجسم، بما في ذلك مستويات السكر في الدم، والشهية، وتوازن الطاقة.
أنواع جديدة من العلاجات
وكلما ازداد فهمنا لكيفية تأثير الميتفورمين في مسار VMH في الدماغ، كلما ازداد احتمال اكتشافنا لأنواع جديدة من العلاجات، وليس فقط التحكم في مستوى السكر في الدم.
وقد أظهرت أبحاث سابقة أن الجرعات اليومية من الميتفورمين قد يكون لها دور في إبطاء شيخوخة الدماغ، استناداً إلى تجربة أُجريت على قرود المكاك.
كما رُبط هذا الدواء بتأثيرات مضادة للشيخوخة لدى البشر، ما يُشير إلى إمكانية استخدامه في إطالة عمر الإنسان.
وبالنسبة لفوكودا وفريقه، يعني هذا كله أن هناك الكثير مما يمكننا اكتشافه حول هذا الدواء الفعال والواعد، والمسارات التي يسلكها.
وقال فوكودا: «تفتح هذه النتائج الباب أمام تطوير علاجات جديدة لمرض السكري تستهدف هذا المسار في الدماغ بشكل مباشر».
وأضاف: «بالإضافة إلى ذلك، يُعرف الميتفورمين بفوائد صحية أخرى، مثل إبطاء شيخوخة الدماغ. ونعتزم دراسة ما إذا كانت إشارات Rap1 الدماغية نفسها مسؤولة عن التأثيرات الأخرى الموثقة جيدًا للدواء على الدماغ».