من مأرب إلى البحر الأحمر.. التصعيد الحوثي في خدمة الإستراتيجية الإيرانية
لم يعد التصعيد الذي تنتهجه ميليشيا الحوثي يقتصر على جبهة عسكرية أو ساحة جغرافية بعينها، بل بات يمثل إستراتيجية متكاملة تستهدف إعادة رسم معادلات القوة في اليمن والإقليم معا.
فالهجمات المتزامنة على معسكرات القوات المسلحة اليمنية في أكثر من محافظة، واستهداف مخيمات النازحين في مأرب، والاعتداءات على الأراضي السعودية
إلى جانب استمرار التهديدات للملاحة الدولية في البحر الأحمر، تكشف أن ما يجري يتجاوز كونه تصعيدا ميدانيا عابرا، ليعكس ارتباطا وثيقا بحسابات إيرانية أوسع تتزامن مع الحراك الإقليمي والدولي بشأن أمن الخليج ومضيق هرمز.
البيان الصادر عن وزارة الدفاع اليمنية وصف الهجمات الأخيرة بأنها عدوان إرهابي واسع استهدف مواقع القوات المسلحة في مأرب وحضرموت، أثناء أداء مهامها في حماية المناطق المحررة وتأمين الطرق الدولية، وأسفر عن سقوط شهداء وجرحى.
كما أدانت قيادة القوات المشتركة هذه الهجمات، مؤكدة أنها تأتي في سياق محاولة حوثية لخلط الأوراق وتقويض جهود الاستقرار.
وإلى جانب ذلك، وثقت وسائل إعلام يمنية استهداف ميليشيا الحوثي مخيم الميل للنازحين شمال مأرب بالصواريخ، في مؤشر جديد على استمرار استهداف المدنيين، بما يعزز الاتهامات الموجهة إليها بانتهاك قواعد القانون الدولي الإنساني.
ورغم أن الحوثيين حاولوا تقديم هذا التصعيد باعتباره ردا على العمليات العسكرية ضدهم، فإن توقيته وطبيعته يوحيان بأن أهدافه تتجاوز الحسابات الميدانية المباشرة.
فمنذ أشهر تتجه إيران إلى إعادة توظيف أذرعها الإقليمية بصورة أكثر مرونة، بحيث تتحرك كل ساحة وفق مقتضيات التفاوض والضغط السياسي، دون الانزلاق إلى مواجهة إقليمية شاملة.
وفي هذا السياق، تبدو الساحة اليمنية إحدى أهم أوراق الضغط الإيرانية، ليس فقط بسبب موقعها الجغرافي، وإنما لارتباطها المباشر بأمن البحر الأحمر وباب المندب، وهو ما يمنح طهران قدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية العالمية.
وفي المقال السابق حول أمن البحر الأحمر، كان التحذير واضحا من أن تحويل هذا الممر الحيوي إلى ساحة ابتزاز سياسي سيؤدي إلى ربط أمنه بالتجاذبات الإقليمية.
واليوم تبدو هذه الفرضية أكثر حضورا؛ فبينما تتواصل النقاشات المتعلقة بأمن الخليج ومستقبل الملاحة في مضيق هرمز، تعمل إيران على تذكير خصومها بأنها تمتلك أيضا أوراقا مؤثرة في باب المندب والبحر الأحمر عبر الحوثيين.
ومن ثم، فإن الرسالة الإيرانية تبدو مزدوجة: إذا كان أمن هرمز حاضرا على طاولة التفاوض، فإن أمن البحر الأحمر لا يمكن فصله عن الحسابات نفسها.
ومن هذا المنظور، يصعب النظر إلى استهداف القوات الحكومية في مأرب وحضرموت، أو الاعتداءات على الأراضي السعودية، باعتبارها أحداثا منفصلة.
فالسعودية تمثل الشريك الإستراتيجي والداعم الرئيس للحكومة اليمنية، وأي تصعيد ضدها أو ضد القوات الشرعية يهدف إلى رفع كلفة دعمها السياسي والعسكري، وإظهار أن الحوثيين ما زالوا قادرين على المبادرة وفرض وقائع ميدانية، رغم الضربات التي تعرضوا لها خلال الأشهر الماضية.
كما تسعى الميليشيا إلى تحقيق جملة من الأهداف الداخلية، أبرزها استنزاف القوات الحكومية وتشتيت جهودها على أكثر من محور، ورفع معنويات عناصرها بعد الخسائر التي تكبدتها في عدد من الجبهات، وتحسين موقعها التفاوضي في أي مسار سياسي قادم.
وتشير التطورات الميدانية إلى أن القوات الحكومية تمكنت من إحباط عدد من الهجمات في جبهات مأرب، فيما تحدثت تقارير إعلامية عن تقدم ميداني في بعض المواقع،
إلا أن بعض هذه المعلومات ما زال بانتظار التأكيد الرسمي الكامل، وهو ما يقتضي التعامل معها بحذر حتى تصدر البيانات العسكرية النهائية.
إقليميا، جاء الموقف السعودي حاسما في إدانة الهجمات، واعتبارها امتدادا لنهج الميليشيا في استهداف أمن اليمن والمنطقة. كما أدانت الولايات المتحدة الاعتداءات،
معتبرة أنها تمثل دليلا جديدا على استمرار السلوك العنيف للميليشيا المدعومة من إيران، وأنها تقوض فرص التهدئة.
وتنسجم هذه المواقف مع قناعة دولية متزايدة بأن استقرار البحر الأحمر لا يمكن تحقيقه في ظل استمرار استخدام الحوثيين كأداة لتهديد الملاحة الدولية وإشعال الجبهات الداخلية كلما اقتضت المصالح الإيرانية ذلك.
وفي المقابل، تبدو طهران حريصة على إبقاء مستوى التصعيد ضمن سقف محسوب. فهي تدرك أن إشعال حرب إقليمية مفتوحة قد يضر بمصالحها التفاوضية، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تفقد أوراق الضغط التي تمتلكها.
ولذلك تبدو الإستراتيجية الإيرانية قائمة على إدارة التوتر لا الانفجار الشامل؛ أي الإبقاء على بؤر اشتعال متعددة تسمح بتحسين شروط التفاوض دون تجاوز الخطوط التي قد تستدعي مواجهة مباشرة واسعة.
- الأول، وهو الأقل احتمالا والأكثر خطورة، يتمثل في تحول التصعيد إلى مواجهة عسكرية واسعة إذا انهارت التفاهمات الإقليمية أو قررت إيران توسيع نطاق استخدام وكلائها في المنطقة.
- أما السيناريو الثاني، وهو الأكثر ترجيحا، فيقوم على استمرار الضربات المتبادلة والهجمات المحدودة في البر والبحر، مع بقاء كل طرف حريصا على تجنب حرب شاملة، مع السعي إلى تحسين المواقع العسكرية والسياسية.
- أما السيناريو الثالث، فيتمثل في انحسار التصعيد تدريجيا والعودة إلى تهدئة مشروطة إذا أحرزت الاتصالات الإقليمية تقدما،
وتوصلت الأطراف إلى تفاهمات تقلل الحاجة إلى استخدام الساحة اليمنية كورقة ضغط، وهو سيناريو يظل مرهونا بدرجة كبيرة بالقرار الإيراني أكثر من كونه مرتبطا بقرار الحوثيين.
إن أخطر ما تكشفه التطورات الأخيرة هو أن اليمن لم يعد مجرد ساحة نزاع داخلي، بل أصبح إحدى حلقات التنافس الجيوسياسي في الشرق الأوسط.
فكلما تعقدت الملفات الإقليمية، ارتفعت احتمالات توظيف الحوثيين لإيصال رسائل سياسية وعسكرية تتجاوز حدود اليمن.
ومن هنا، فإن حماية أمن البحر الأحمر وباب المندب، ودعم مؤسسات الدولة اليمنية وقواتها المسلحة، لم يعودا شأنا يمنيا فحسب, بل يمثلان ركيزة أساسية لأمن المنطقة واستقرار التجارة العالمية.
كما أن إنهاء هذا التهديد لن يتحقق عبر احتواء نتائجه فقط، بل من خلال معالجة جذره الحقيقي المتمثل في استمرار المشروع الإيراني في توظيف الجماعات المسلحة العابرة لسلطة الدولة لتحقيق أهدافه الإستراتيجية.
✍️ أ .عبد الله عبد الكريم الدعيس
سفير الجمهورية اليمنية لدي الجمهورية اللبنانية وجمهورية قبرص.