حروب السيارات تشتعل وأميركا تتفوق على أوروبا والصين
حققت شركات صناعة السيارات الأميركية الكبرى أداء ماليا قويا خلال الربع الثاني من عام 2026، مستفيدة من استمرار الإقبال على شاحنات البيك أب والسيارات الرياضية متعددة الاستخدامات العاملة بالبنزين،
في وقت تتعرض شركات السيارات الأوروبية لضغوط متزايدة بسبب تباطؤ المبيعات وإعادة الهيكلة وتشديد المنافسة من الشركات الصينية.
وأصبحت الفجوة بين أوروبا وأميركا أكثر وضوحا مع إعلان شركتي جنرال موتورز وفورد رفع توقعاتهما للأرباح السنوية بعد نتائج قوية في الربع الثاني، فيما أعلنت ستيلانتس، المالكة علامات كرايسلر وجيب ورام، أن أرباحها التشغيلية المعدلة خلال الربع الثاني ارتفعت إلى أكثر من ثلاثة أضعاف مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، مدفوعة بتعاف محدود في المبيعات داخل السوق الأميركية.
ونقلت صحيفة "فايننشال تايمز"، أمس الاثنين، عن مسؤولين في القطاع قولهم إن الرسوم الجمركية الأميركية المرتفعة والقيود المفروضة على برمجيات السيارات الصينية وفرت حماية لسوق السيارات الأميركية من تدفق السيارات منخفضة التكلفة التي تنتجها شركات صينية،
أبرزها "بي واي دي"، وهو ما منح شركات ديترويت فرصة لتعزيز مبيعاتها والحفاظ على هوامش أرباح مرتفعة.
كما استفادت الشركات الأميركية من توجه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى تخفيف معايير الانبعاثات، ما شجعها على تقليص إنتاج السيارات الكهربائية التي لا تزال تحقق أرباحا محدودة، مقابل زيادة إنتاج سيارات البنزين والهجينة،
ولا سيما شاحنات البيك أب والسيارات الرياضية متعددة الاستخدامات التي تُعد الأكثر ربحية.
وقالت الرئيسة التنفيذية لجنرال موتورز، ماري بارا، عقب إعلان الشركة ارتفاع أرباحها التشغيلية المعدلة بنسبة 30% على أساس سنوي في الربع الثاني،
إن توقعات السوق التي رجحت تراجع الطلب على الشاحنات والسيارات الرياضية متعددة الاستخدامات بسبب ارتفاع أسعار البنزين لم تتحقق، مؤكدة أن الطلب على هذه الفئة من المركبات لا يزال قويا.
بدوره، قال الرئيس التنفيذي لستيلانتس، أنطونيو فيلوسا، إن المستهلك الأميركي يفضل قيادة شاحنات البيك أب الكبيرة والسيارات الرياضية متعددة الاستخدامات،
مضيفا أن هذه العادات الاستهلاكية تختلف عن الأسواق الأخرى، وأن البيئة التنظيمية الحالية في الولايات المتحدة تمنح الشركة القدرة على تلبية هذا الطلب.
في المقابل، أعلنت شركات فولكسفاغن وبي إم دبليو ومرسيدس - بنز أن أرباحها السنوية ستكون أقل من المتوقع، بالتزامن مع تنفيذ برامج واسعة لإعادة الهيكلة وخفض النفقات، في محاولة لاستعادة قدرتها التنافسية في مواجهة الشركات الصينية.
وتهدف هذه البرامج إلى تقليص التكاليف بعدما تمكنت الشركات الصينية من الاستحواذ على ما يقرب من 10% من سوق السيارات الأوروبية، مستفيدة من الأسعار المنخفضة والتوسع السريع في إنتاج السيارات الكهربائية.
كما أعلنت ستيلانتس، التي تمتلك أيضا علامتي فيات وبيجو، أنها تواجه ضغوطا متزايدة على الأسعار داخل السوق الأوروبية، في ظل احتدام المنافسة وتراجع الطلب.
وتواجه شركات السيارات الأوروبية كذلك تحديات إضافية بسبب قواعد الانبعاثات الصارمة التي يفرضها الاتحاد الأوروبي، والتي تقول الشركات إنها تزيد من تكاليف الإنتاج وتضعف قدرتها على منافسة المنتجين الآسيويين.
وفي هذا السياق، دعا الرئيس التنفيذي لشركة رينو، فرانسوا بروفو، حكومات الاتحاد الأوروبي إلى الإسراع في تطبيق أهداف تصنيع تحت شعار "صنع في الاتحاد الأوروبي"، بهدف دعم الصناعة المحلية وتعزيز تنافسيتها.
وقال بروفو إن الشركة تواصل الاستثمار في السيارات الكهربائية والعمل على خفض أسعارها للمستهلكين، مطالبا الحكومات الأوروبية باتخاذ خطوات أسرع لدعم المصنعين المحليين، وذلك بعدما سجلت رينو نموا بنسبة 48% في مبيعات السيارات الكهربائية خلال النصف الأول من عام 2026 مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
ورغم استمرار شركات فورد وجنرال موتورز وستيلانتس في تأكيد التزامها بخطط التحول نحو السيارات الكهربائية، فإن عددا من المحللين، بحسب الصحيفة، يرى أن العودة إلى التركيز على سيارات البنزين قد تحقق مكاسب مالية على المدى القصير،
لكنها قد تؤثر في القدرة التنافسية للشركات الأميركية مستقبلا إذا تسارع التحول العالمي نحو المركبات الكهربائية.
وقال مؤسس شركة "سينو أوتو إنسايتس" الاستشارية في ديترويت، تو لي، إن التساؤل المطروح حاليا هو ما إذا كانت شركات السيارات الأميركية تؤمن فعلا بضرورة تطوير جيل جديد من السيارات المبتكرة،
أم أنها تكتفي بالتصريحات بشأن التحول الكهربائي بينما تواصل الاعتماد على الطرازات التقليدية الأكثر ربحية.
من جانبه، قال الشريك الأول والمسؤول العالمي عن قطاع السيارات والتنقل في مجموعة بوسطن الاستشارية، فيليكس شتيلماسزيك، إن شركات السيارات الأميركية تبدو في وضع أفضل من نظيراتها الأوروبية في الوقت الراهن،
مشيرا إلى أن الحالة المعنوية داخل القطاع أصبحت عاملا مؤثرا في جذب الكفاءات.
وأضاف أن المهندسين حديثي التخرج قد يترددون في الانضمام إلى شركات السيارات الأوروبية في ظل إعلانات تسريح العمال والتوقعات الضعيفة للقطاع،
لكنه حذر في الوقت نفسه من أن استمرار الحماية التي تتمتع بها السوق الأميركية قد يؤدي إلى تراجع الابتكار، ما يجعل الشركات الأميركية متأخرة عن منافسيها مستقبلا رغم امتلاكها رؤوس أموال كبيرة للاستثمار.
وقال المسؤول العالمي عن أسواق السيارات في شركة "أليكس بارتنرز" الاستشارية، مارك ويكفيلد، إن إدارتي الرئيسين جو بايدن ودونالد ترامب اختلفتا في أدوات دعم الصناعة بين الحوافز والرسوم الجمركية،
إلا أن السياسة الصناعية الأميركية حافظت على هدف ثابت يتمثل في الحد من المنافسة الصينية داخل السوق الأميركية، وهو ما وفر لشركات السيارات المحلية حماية لم تحظ بها الشركات الأوروبية.