خريطة التشكيلات العسكرية بحضرموت في ظل تصدّع التحالفات
الرأي الثالث
لم تعد حضرموت، منذ مطلع ديسمبر/ كانون الأول الجاري، ساحة بعيدة عن مركز الصراع اليمني، ولا محافظة يمكن تحييدها عبر تفاهمات مؤقتة أو ترتيبات أمنية هشّة.
فمع التحركات العسكرية التي قادتها قوات المجلس الانتقالي الجنوبي، وانتهت بسيطرتها على معظم مديريات وادي وصحراء حضرموت، دخلت أكبر محافظات اليمن مساحةً مرحلة جديدة من التوتر، وضعت مستقبلها السياسي والعسكري أمام اختبارات غير مسبوقة،
وأعادت ملف النفوذ الإقليمي إلى الواجهة من بوابة المحافظة الأكثر حساسية جغرافيًا واستراتيجيًا.
تزامنت هذه التطورات مع قرارات وُصفت بالسيادية صدرت عن رئاسة مجلس القيادة الرئاسي، أبرزها إلغاء اتفاقية الدفاع المشترك مع دولة الإمارات، في خطوة حملت دلالات سياسية عميقة،
وبدت، وفق قراءات سياسية، بمثابة إعلان عن نهاية مرحلة من الشراكة العسكرية غير المتكافئة .
ولم يلبث هذا التحول أن انعكس ميدانيًا في حضرموت، التي تمثل مركز الثقل الأهم للنفوذ الإماراتي غير المعلن منذ سنوات.
وفي ذروة هذا التصعيد، شهد ميناء المكلا ضربة جوية سعودية استهدفت سفنًا إماراتية راسية في الميناء، في واقعة حملت رسائل سياسية واضحة تتجاوز بعدها العسكري،
وأكدت أن حضرموت تحولت إلى ساحة اختبار حقيقية لإعادة رسم خطوط النفوذ داخل معسكر التحالف نفسه.
وبدأت التحولات الميدانية في مطلع ديسمبر/ كانون الأول بتحركات عسكرية لقوات المجلس الانتقالي الجنوبي في وادي وصحراء حضرموت، جرى توصيفها في بداياتها بأنها إعادة انتشار تهدف إلى تعزيز الأمن، قبل أن يتضح لاحقًا أنها عملية سيطرة كاملة على المفاصل العسكرية والأمنية للمنطقة.
وبحسب مصادر ، شملت هذه السيطرة المعسكرات التابعة للمنطقة العسكرية الأولى، والنقاط الأمنية بين المديريات، ومحيط مطار سيئون الدولي، إضافة إلى الطرق الرابطة بين الوادي والهضبة والساحل.
وجرت هذه التحولات في ظل انسحابات متتالية لقوات حكومية دون مواجهات واسعة، ما فتح باب التساؤلات حول طبيعة التفاهمات السابقة التي حكمت المشهد في حضرموت، وحول الدور الإقليمي في تسهيل انتقال السيطرة بهذا الشكل السريع، بعيدًا عن الصدام المباشر.
بعد أيام قليلة، جاء إعلان رئاسة مجلس القيادة الرئاسي إلغاء اتفاقية الدفاع المشترك مع الإمارات ليشكل كسرًا واضحًا لسقف سياسي ظل قائمًا منذ بدء التدخل العسكري في اليمن عام 2015.
ورغم غياب الربط الرسمي بين القرار وما يجري في حضرموت، إلا أن توقيته وسياقه جعلاه يُقرأ على نطاق واسع بوصفه جزءًا من إعادة تموضع تقودها السعودية، في محاولة لإعادة ضبط العلاقة مع حلفائها، واحتواء تمدد نفوذ القوى المدعومة إماراتيًا خارج إطار الدولة.
تفرض حضرموت منطقها الخاص على أي صراع يدور فوق أرضها. فالمحافظة التي تزيد مساحتها على 193 ألف كيلومتر مربع،
وتمثل أكثر من ثلث مساحة اليمن، تمتلك حدودًا برية طويلة مع السعودية، وساحلًا ممتدًا على بحر العرب، وثروات نفطية وغازية،
إضافة إلى موانئ ومطارات تشكّل شرايين حيوية للاقتصاد والحركة العسكرية. هذا الثقل جعل السيطرة على حضرموت هدفًا استراتيجيًا يتجاوز في أهميته السيطرة على العاصمة المؤقتة عدن، ويفسر حجم التنافس الإقليمي والمحلي عليها.
عمليًا، تنقسم حضرموت اليوم إلى نطاقات عسكرية متعددة، لكل منها قواه المسيطرة وخصوصيته الأمنية، في مشهد يعكس حالة التفكك داخل معسكر الشرعية، وتعدّد مراكز القرار العسكري.
الوديعة والعبر: نفوذ حكومي محدود ومحمي
في الشريط الحدودي مع السعودية، تتمركز قوات درع الوطن وقوات الطوارئ وتشكيلات أخرى محسوبة على الحكومة المعترف بها دوليًا في منطقتي الوديعة والعبر
وتكتسب هذه المنطقة أهمية استثنائية لاحتوائها على منفذ الوديعة، المنفذ البري الوحيد العامل بين اليمن والسعودية، إضافة إلى موقع العبر الذي يشكل عقدة طرق تربط حضرموت بمحافظة مأرب وبقية المحافظات الشرقية.
ورغم أن المساحة التي تسيطر عليها هذه القوات تبدو محدودة مقارنة ببقية حضرموت، إلا أن أهميتها تتجاوز العامل الجغرافي، كونها تمثل آخر موطئ قدم فعلي للحكومة في المحافظة، وتخضع لإشراف سعودي مباشر،
في إطار مسعى واضح لمنع تمدد قوات المجلس الانتقالي نحو الحدود، وضمان استمرار السيطرة على خطوط الإمداد الحيوية.
وادي وصحراء حضرموت: قلب الصراع ومركز الثقل
يمثل وادي وصحراء حضرموت الثقل السكاني والعسكري الأبرز في المحافظة، إذ يضم مدنًا تاريخية وثقافية كسيئون وتريم وشبام والقطن،
إضافة إلى مطار سيئون الدولي ومعسكرات كبيرة كانت تتبع للمنطقة العسكرية الأولى.
وتشير مصادر إلى أن السيطرة الفعلية في هذا النطاق باتت بيد قوات الدعم الأمني وألوية الإسناد القادمة من عدن ومحافظات جنوبية أخرى، وهي تشكيلات ترتبط تنظيميًا بالمجلس الانتقالي الجنوبي وتحظى بدعم إماراتي.
ويمثل هذا التحول نهاية لمرحلة طويلة جرى خلالها تحييد الوادي نسبيًا عن الصراع المباشر، ويضع مستقبل هذه المنطقة أمام احتمالات مفتوحة، في ظل مخاوف من تغيير البنية الأمنية والاجتماعية فيها بالقوة.
هضبة حضرموت: بين الوادي والساحل، تقع هضبة حضرموت التي تشكل منطقة فاصلة جغرافيًا واستراتيجيًا، وتشرف على طرق إمداد داخلية مهمة.
وفي هذه المنطقة توجد ما تُعرف بقوات حماية حضرموت التابعة لحلف قبائل حضرموت، وفق مصادر
وتسيطر هذه القوات على مساحة محدودة لكنها ذات دلالة رمزية كبيرة، كونها تعكس رفضًا قبليًا متزايدًا لمحاولات فرض السيطرة العسكرية من خارج النسيج المحلي.
وشهدت الهضبة خلال الأيام الماضية اشتباكات مسلحة متقطعة بين قوات الحلف وقوات تابعة للمجلس الانتقالي، في مؤشر إلى تصاعد التوتر، واحتمال تحوّل هذه المنطقة إلى بؤرة صراع جديدة إذا ما استمرت محاولات التمدد العسكري دون توافق محلي.
ساحل حضرموت: على امتداد ساحل حضرموت، من المكلا إلى الشحر والديس الشرقية، تنتشر قوات النخبة الحضرمية إلى جانب قوات أخرى موالية للمجلس الانتقالي قادمة من عدن ومحافظات جنوبية، وتخضع هذه التشكيلات اسميًا للمنطقة العسكرية الثانية.
وبحسب مصادر ، فإن هذه المنطقة العسكرية باتت تميل سياسيًا وعسكريًا لصالح المجلس الانتقالي، رغم ارتباطها الشكلي بوزارة الدفاع.
ويضم هذا النطاق أهم المنشآت الحيوية في المحافظة، وفي مقدمتها ميناء المكلا ومطار الريان الدولي، وعدد من المعسكرات والقواعد البحرية.
وقد أعادت الضربة الجوية السعودية التي استهدفت سفنًا إماراتية في الميناء تسليط الضوء على الساحل بوصفه ساحة صراع إقليمي مباشر، تتقاطع فيها حسابات النفوذ أكثر مما تتقاطع فيها الاعتبارات المحلية.
خلال اليومين الأخيرين، سُجّلت انسحابات محدودة لقوات المجلس الانتقالي من بعض المواقع في غيل بن يمين وقصيعر، بحسب ما أفادت مصادر محلية ،
وترافقت هذه الانسحابات مع مظاهر احتفالية شعبية، ما عكس حجم الاحتقان المحلي تجاه الوجود العسكري الوافد.
ولا تزال القراءة النهائية لهذه التحركات محل جدل، بين من يراها إعادة تموضع تكتيكية، ومن يعتبرها استجابة لضغوط سياسية وعسكرية متزايدة، في ظل غياب أي توضيح رسمي يبدد حالة الغموض.
حضرموت إلى أين؟
تضع هذه التطورات حضرموت أمام مفترق طرق حاسم، بين سيناريو إعادة توزيع النفوذ داخل إطار الدولة، أو تكريس واقع التقسيم العسكري، أو الانزلاق نحو مواجهة أوسع تتداخل فيها الأبعاد القبلية والإقليمية.
وفي جميع الأحوال، تبدو حضرموت اليوم عنوان المرحلة المقبلة في اليمن، ومفتاح فهم التحولات العميقة التي تجري بعيدًا عن الأضواء في بلد لم يعد الصراع فيه داخليًا فحسب، بل أصبح ساحة مفتوحة لتصفية حسابات إقليمية معقدة.
فخر العزب
صحافي يمني