ماذا يعني حظر الحكومة اللبنانية نشاط حزب الله العسكري والأمني؟
الرأي الثالث - وكالات
أعلنت الحكومة اللبنانية الحظر الفوري لنشاطات حزب الله الأمنية والعسكرية كافة، وإلزامه بتسليم سلاحه إلى الدولة وحصر عمله بالمجال السياسي، وذلك في جلسة عقدتها بشكل طارئ صباح اليوم الاثنين، برئاسة الرئيس جوزاف عون، ومشاركة قائد الجيش العماد رودولف هيكل، عبّرت خلالها عن رفضها المطلق لأي أعمال عسكرية أو أمنية تنطلق من الأراضي اللبنانية خارج إطار مؤسساتها الشرعية.
وعقد مجلس الوزراء جلسته عقب إطلاق حزب الله فجرًا عددًا من الصواريخ باتجاه إسرائيل، وشنّ الأخيرة سلسلة غارات على الضاحية الجنوبية لبيروت وجنوب لبنان والبقاع شرقًا، أسفرت عن 31 شهيدًا على الأقل، في حصيلة غير نهائية، وذلك في عملية عسكرية هي الأولى للحزب منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024.
وعلى الرغم من المقررات غير المسبوقة التي اتخذتها الحكومة، إلا أن إسرائيل أصدرت بعد انتهاء الجلسة سلسلة تحذيرات بقصف عشرات المباني في مناطق في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، إلى جانب التهديد بمهاجمة بنى تحتية تابعة لجمعية القرض الحسن العائدة لحزب الله، في استكمال لمسار عملياتها التصعيدي الذي بدأ في ساعات الفجر.
وطلب مجلس الوزراء من الأجهزة العسكرية والأمنية كافة اتخاذ الإجراءات الفورية تنفيذًا لذلك، ولمنع القيام بأي عملية عسكرية أو إطلاق صواريخ أو طائرات مسيّرة من الأراضي اللبنانية، وتوقيف المخالفين وفقًا لما تفرضه القوانين والأنظمة المرعية الإجراء.
كما طلب من قيادة الجيش المباشرة فورًا وبحزم بتنفيذ الخطة التي عرضتها بتاريخ 16 فبراير/شباط الماضي، في شقها المتعلق بحصر السلاح شمال الليطاني، مطالبًا الدول الضامنة لإعلان وقف الأعمال العدائية بالحصول على التزام إسرائيل بوقف جميع الاعتداءات على كامل الأراضي اللبنانية، معلنًا استعداد لبنان الكامل لاستئناف المفاوضات بمشاركة مدنية ورعاية دولية.
وشهدت الجلسة أجواء مشحونة، وسط مطالبات لوزراء معارضين لحزب الله باتخاذ إجراءات متشددة تصل إلى حلّ الحزب، وذلك بعد توريطه لبنان من جديد بحرب لا يريدها، وأثمانها مكلفة جدًا عليه، واستخدام الأراضي اللبنانية لإطلاق صواريخ إسنادًا لإيران، في تخطٍ للقرارات الرسمية، وللتدخلات التي حصلت لمنعه من الدخول في الحرب، منها ما عمل عليه رئيس البرلمان نبيه بري، وحُكي عن ضمانات حصل عليها للنأي بالنفس.
وبحسب معلومات "العربي الجديد"، فإن الجلسة كانت متوترة جدًا، وسط اختلاف وجهات النظر بين الوزراء، وقد انفعل رئيس الوزراء نواف سلام أكثر من مرة، مؤكدًا قرار حظر نشاطات حزب الله العسكرية والأمنية، ومتوقفًا عند الأثمان التي دفعها لبنان والشعب اللبناني ولا يزال يدفعها نتيجة انخراطه في حروب الآخرين، ف
يما اعترض وزراء حزب الله على المنهجية التي اعتمدها المجلس، معتبرين أن حزب الله لم يتدخل طيلة 15 شهرًا، والدولة لم تتحرك بشكل جدي لوقف الاعتداءات الإسرائيلية اليومية على الأراضي اللبنانية، وذلك في وقت لم يعترض فيه وزراء حركة أمل (يرأسها رئيس البرلمان نبيه بري) على المقررات.
وقال وزير العدل عادل نصار، وهو يُعدّ من معارضي حزب الله، إن نشاط الحزب العسكري والأمني خارج عن القانون، ويجب التعامل معه على هذا الأساس، مشيرًا إلى أن قوة القرار تكمن في اتخاذه بحضور جميع الوزراء، مع الإشارة إلى أن نصار كان قد تواصل صباحًا مع المدعي العام التمييزي ومفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية، الذي كلّف الأجهزة الأمنية بالعمل على توقيف مطلقي الصواريخ ومحرّضيهم بصورة فورية وسوقهم إلى النيابة العامة العسكرية.
تداعيات حظر نشاط حزب الله أمنياً وعسكرياً
وفي معرض تعليقه على المقررات، يقول وزير الدفاع السابق يعقوب الصراف إن الحكومة تتخذ قرارات لا يمكن تنفيذها، ولا يجب تحميلها أكثر مما تحتمل، وهي شبيهة بتفاهم وقف العمليات العدائية الذي بقي حبرًا على ورق، مشددًا على أنه كان الأجدى بالحكومة أن تهتم أولًا بالنازحين، خصوصًا أننا في شهر رمضان.
ويعتبر الصراف أنه ليس هناك من قرار تتخذه الجمهورية اللبنانية له وزن في الكيان الإسرائيلي، وذلك في معرض تعليقه على التصعيد الذي سُجّل بعد انتهاء الجلسة الوزارية، مشيرًا إلى أن إعلان الجيش الإسرائيلي استدعاء أكثر من 100 ألف جندي احتياط كان يُظهر أن هناك تصعيدًا آتيًا، وأن هذا التطور الميداني ليس مرتبطًا بإيران أو باجتياحها، وهو يجد اليوم، بعد ما قام به حزب الله، فرصة للدخول والاجتياح والتصعيد.
ويستبعد وزير الدفاع السابق حصول أي إشكال داخلي في لبنان عقب هذه المقررات، التي يصرّ على أنها "شبه صورية"، وقد تكون رسالة فقط للمجتمع الغربي لإظهار جدية في التعامل، علمًا أن العالم الغربي لا يعتمد على قراراتنا، وإسرائيل لا تردعها مواقفنا.
وفي قراءة لمقررات الحكومة من الزاوية القانونية، يقول المحامي جاد طعمه، أستاذ مادة القانون في الجامعة اللبنانية، إن مقررات الحكومة تُحدث تحولًا في توصيف دور حزب الله داخل النظام اللبناني،
فحين تؤكد الحكومة حصر أي نشاط عسكري أو أمني بيد الدولة، فإنها تعلن صراحة التزامها بتطبيق قرار حصرية السلاح على كامل الأراضي اللبنانية، وليس فقط في منطقة جنوب لبنان، وهي عمليًا تنزع صفة "المقاومة" عن الأعمال العسكرية التي يقوم بها الحزب.
يتابع طعمه: دستوريًا يرتكز هذا التوجه على مبدأ سيادة الدولة على أرضها واحتكارها استعمال القوة، ووفقًا للمادة 65 من الدستور، فإن مجلس الوزراء هو الذي يرسم السياسة العامة للدولة، بما فيها السياسة الدفاعية، ما يجعل أي قرار يتصل بالحرب والسلم من صلب صلاحياته دون سواه.
ويردف طعمه: "أما على صعيد قانون العقوبات، فإن أي عمل مسلح أو أمني غير مرخّص مستقبلًا قد يندرج، تبعًا لذلك، ضمن جرائم حمل السلاح غير المشروع، أو تأليف العصابات المسلحة، أو تعريض أمن الدولة الداخلي أو الخارجي للخطر، ما يعني أنه في حال المخالفة يملك مجلس الوزراء أن يطلب من الجيش تنفيذ قراراته عملًا بقانون الدفاع الوطني، وأن يكلّف النيابات العامة بمباشرة الملاحقات بحق كل من يثبت تورطه".
ويتوقف طعمه أمام أجواء لافتة في السياق السياسي المواكب، إذ تم تداول معلومات حول أن رئيس مجلس النواب نبيه بري عبّر عن مباركته اتخاذ هذا القرار من دون تحفظ، وهو موقف يضفي عليه ثقلًا ميثاقيًا ويعكس تقاطعًا نادرًا بين السلطتين التنفيذية والتشريعية في مقاربة ملف السلاح، ما يفتح البلد على خيارات دستورية وأمنية دقيقة.
يختم طعمه أنه إذا ما نُفذ القرار الحكومي بحرفيته، فإنه سيشكّل سابقة لجهة توسيع نطاق تطبيق القرار 1701 ليشمل كامل الأراضي اللبنانية، في ظرف لا تزال فيه أراضٍ لبنانية محتلة، ما يجعله قرارًا غير اعتيادي في توقيته ودلالاته، إذ يعيد رسم حدود المشروعية المسلحة داخل الدولة، ويضع أي نشاط عسكري خارج مؤسساتها في دائرة الحظر والمساءلة، رغم استمرار الاحتلال لمساحات واسعة في الجنوب اللبناني.
حظر عسكر حزب الله وحديث الحرب الأهلية... من وكيف وبأي ثمن؟
وفور صدور ذلك القرار، عاد مصطلح الحرب الأهلية ليتصدر محركات البحث وحسابات وسائل التواصل الاجتماعي في لبنان، على اعتبار أن تنفيذ قرار كهذا من شأنه أن يهدد بتفجير اشتباك أهلي.
وكأن وزير الإعلام بول مرقص، الذي أجاب عن أسئلة الصحافيين بعد جلسة الحكومة، كان على علم بهذه الأجواء، فكرر ألا خطر لاندلاع حرب أهلية في لبنان،
ودعا الملوّحين بهذه الحرب إلى التوقف عن رفع هذه "الفزاعة" في كل مرة تقرر فيها الدولة اللبنانية حصر السلاح بيدها.
والمحذرون من حرب أهلية كهذه كثر في لبنان، لكن أبرزهم قيادات من حزب الله كرروا تحذيراتهم على شكل فهمها عديدون تهديدات عندما أقرت الحكومة خطة حصر السلاح بمراحلها المختلفة جنوب الليطاني ثم شماله وصولاً إلى الأراضي اللبنانية كافة.
وقد تحدث الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، مراراً عن "قطع اليد التي ستمتد" إلى سلاح حزبه الذي سيتعاطى مع هذا الموضوع بوصفه "حرباً كربلائية"، على حد تعبيره في أحد خطاباته صيف العام الماضي،
وهو ما رأى فيه البعض بمثابة تهديد بما أن الحزب هو الطرف المسلح الوحيد فعلياً في البلد والقادر نظرياً على تفجير حرب، لكن بعيداً عن التهديد أو التحذير، يطرح قرار الحكومة الأخير القاضي بمنع نشاطات حزب الله العسكرية، أسئلة عديدة: مَن سينفذ القرار؟
وكيف سيجري تنفيذه؟ وبأي ثمن؟
الطرف الوحيد القادر على تنفيذ القرار من حيث المبدأ، هو الجيش والأجهزة الأمنية العديدة. والجيش، ومعه الأجهزة الأمنية، من أمن دولة وأمن عام وقوى أمن داخلي وغيرها، عناصرهم وضباطهم مختلطون طائفياً ومذهبياً بطبيعة الحال، وهو ما يجعل كثر يتخوفون من احتمال انقسام هذه المؤسسات في حال أُمرت بتنفيذ قرارات حكومية تضعهم في مواجهة مع بيئتهم،
مثلما حصل عندما انقسم الجيش اللبناني في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي خلال الحرب الأهلية (1975-1990).
وتدرك السلطات اللبنانية حساسية الأمر، لذلك كانت تبلغ المسؤولين الأميركيين، منذ انتهاء حرب 2024 على لبنان، بأن التسرع في تنفيذ قرار حصر السلاح بالوتيرة التي تريدها واشنطن وتل أبيب، يهدد السلم الأهلي في لبنان، وهو ما قاله رئيس الجمهورية جوزاف عون لـ"العربي الجديد" في حوار نشره في إبريل/نيسان 2025.
أما بالنسبة إلى كيفية تنفيذ القرار، فيبدو الجواب صعباً بدوره، ذلك أن ليس لحزب الله مواقع عسكرية معروفة، أي إن السيطرة على جهازه الحربي ونشاطاته العسكرية ستتطلب اقتحامات وأعمالاً ذات طبيعة حربية في مناطق تعتبر ذات نفوذ مغلقة لحزب الله ولا وجود كبيراً للدولة اللبنانية فيها، وهو ما يجاهر الحزب، على لسان مسؤوليه بأنه سيواجهه مهما كلفه الأمر، فهو الذي يمتلك، حسب تقديرات غير رسمية، ما يناهز المائة ألف مقاتل، وترسانة سلاح ضخمة رغم ما أصابها من ضربات قاسية منذ خريف 2023 حتى اليوم.
وهذا يطرح بدوره سؤالاً عن ثمن تنفيذ قرار الحكومة الذي رفضه الوزيران المحسوبان على حزب الله بطبيعة الحال، ركان نصر الدين ومحمد حيدر،
بينما لم يعترض عليه الوزيران المحسوبان على حركة أمل تمارا الزين وياسين جابر، ترجمةً لانعدام رضا رئيس مجلس النواب نبيه بري عن إطلاق الصواريخ من قبل الحزب، فجر الاثنين، بحسب معلومات صحيفة "المدن" الإلكترونية، وهي المرة الأولى التي يظهر فيها شرخ بهذا الوضوح بين الوزراء من المذهب الشيعي، وهم يسمّون في لبنان "وزراء الثنائي"، وعددهم 5،
يُضاف إلى الأربعة المذكورة أسماؤهم أعلاه فادي مكي، وقد جرت تسميته بوصفه مرشحاً مشتركاً بين حركة أمل وكل من عون وسلام.
الحكومة اللبنانية في موقف لا تُحسد عليه، فلا هي راغبة بطبيعة الحال باندلاع حرب أهلية ثمناً لنزع سلاح حزب الله، ولا هي قادرة على مواصلة التعايش مع سلاحه و"جيشه"، وفي الحالتين تجد نفسها أمام قيادة إسرائيلية مدعومة بشكل مطلق من قبل الإدارة الأميركية، راغبة بتدفيع الدولة اللبنانية ثمن خسارة المحور الذي ينتمي إليه حزب الله.