السودان... استنزاف عسكري وتراجع فرص الحلول السياسية
الرأي الثالث - وكالات
تشهد الأوضاع في السودان تراجع المواجهات الميدانية بين الجيش وقوات الدعم السريع والاعتماد بصورةٍ أكبر على الهجمات بالطائرات المسيّرة، والتي طاولت خلال الفترة الأخيرة عدداً من المدن والقرى وتسببت في سقوط نحو 500 مدني منذ مطلع العام الحالي فقط بحسب إحصاءات الأمم المتحدة.
وبينما يُعزّز كل طرف سيطرته على مناطقه، لا تلوح في الأفق بوادر حلول جادة لإنهاء الحرب، خصوصاً بعد انشغال الوسطاء بأزمات عالمية أخرى، على رأسها الحرب في الشرق الأوسط وفشل المبادرات السابقة لتحقيق هدنة إنسانية،
مع توقعات بتصاعد المواجهات خلال الفترة المقبلة بين الجيش و"الدعم السريع" مع انتهاء شهر رمضان، ومع محاولات قوات "الدعم" فتح جبهات جديدة.
ويوم أمس الخميس، أعلن عن مقتل 28 مدنياً على الأقل جرّاء غارتين بمسيّرات استهدفتا ولايتي شمال دارفور وشمال كردفان السودانيتين، وفق مصادر طبية تحدثت لوكالة فرانس برس.
واستهدفت إحدى الغارتين، أول من أمس الأربعاء، سوقاً في مدينة سرف عمرة بشمال دارفور، ما أسفر عن مقتل 22 شخصا، بينهم رضيع، وإصابة 17 آخرين، فيما تسببت غارة أخرى في اليوم ذاته أيضاً باشتعال النيران في شاحنة كانت على طريق في شمال كردفان.
ويتقاسم الجيش السوداني و"الدعم السريع" اللذان يخوضان حرباً منذ منتصف إبريل/نيسان 2023 حالياً السيطرة على ولايات السودان الـ18، بانتشار أوسع للجيش الذي يحكم قبضته على الولايات الشرقية المتمثلة في ولايات البحر الأحمر، وكسلا، والقضارف، وسنار، والولايات الشمالية متمثلة في نهر النيل والولاية الشمالية
إلى جانب ولايات الوسط على رأسها العاصمة الخرطوم، والنيل الأبيض والجزيرة، وأجزاء واسعة في ولاية شمال كردفان جنوب وسط البلاد، وسيطرة على معظم إقليم النيل الأزرق جنوباً، إلى جانب أجزاء من ولايتي جنوب وغرب كردفان.
بينما تسيطر "الدعم السريع" من جهتها، على ولايات إقليم دارفور الخمس غرباً، ما عدا أجزاء من ولايتي شمال وغرب دارفور حيث يسيطر الجيش والقوات المساندة له من الحركات المسلحة على عدد من المناطق بعضها قريب من الحدود التشادية،
كما تسيطر "الدعم" على أجزاء من جنوب كردفان، ومعظم ولاية غرب كردفان ومناطق صغيرة في النيل الأزرق.
تعثر التفاوض في السودان
وقد توقفت المحادثات بين الطرفين منذ فترة طويلة، بعد أن تعثرت معظم المبادرات الأخيرة أو اقتصرت على مشاورات غير مباشرة،
وذلك في ظلّ تمسك قادة الجيش بموقف يرفض التفاوض المباشر قبل انسحاب "الدعم" من الأعيان المدنية والمدن التي سيطرت عليها، وتجميع قواتها في مناطق تحت إشراف أممي وأفريقي،
بينما ترى "الدعم السريع" من جهتها، أن شروط الجيش غير قابلة للتطبيق، متهمة إياه بتعمد إطالة الحرب ورفض السلام،
في وقت تواصل قصف المدن بالطائرات المسيّرة وتشن الهجمات البرّية رغم إعلانها القبول بهدنة إنسانية من جانب واحد في نوفمبر/تشرين الثاني 2025.
وفي 23 فبراير/شباط الماضي، رفضت الحكومة السودانية المقترحات التي قدّمها مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس بشأن قضايا الحرب والسلام والهدنة الإنسانية،
معتبرة أن أي مقترحات لا تراعي مصالح البلاد العليا لن تحظى بموافقة الحكومة وبالتالي لن تجد طريقها للتنفيذ.
وجاء رفض الحكومة بعد تصريحات أدلى بها بولس حدّد خلالها خمسة محاور أساسية وهي: هدنة إنسانية فورية، ضمان وصول المساعدات الإنسانية بشكل مستدام وحماية المدنيين، وقفٌ دائم لإطلاق النار وترتيباتٌ أمنيةٌ موثوقة، ثم عملية انتقال سياسي شامل بقيادة مدنية،
وخطةٌ طويلة الأمد للتعافي وإعادة الإعمار "تعيد الاستقرار والفرص إلى الشعب السوداني"، وفق قوله.
وفي منشور على موقع إكس، أول من أمس، قال بولس تعليقاً على هجوم طاول مستشفى الضعين في ولاية شرق دارفور قبل أيام، إن على الطرفين وقف العنف،
مضيفاً أنه "يجب عليهما قبول هدنة إنسانية لإنهاء معاناة الشعب السوداني والسماح للجرحى بالشفاء في سلام وأمان".
مكاسب تميل للجيش
وقال مصدر عسكري ، إن الأيام المقبلة قد تشهد احتداماً للمعارك البرّية بعد انتهاء شهر رمضان الأسبوع الماضي،
وأضاف أن الجيش سيعمل على إطلاق عملية برّية واسعة لمنع "الدعم السريع" من فتح أي جبهات جديدة، مع التركيز على إكمال السيطرة على إقليم كردفان وتأمين الحدود مع إثيوبيا وجنوب السودان في إقليم النيل الأزرق، إلى جانب حسم تحركات "الدعم" في الجزء الشمالي من ولاية شمال كردفان الواقع غرب العاصمة الخرطوم، وتحديداً في مدينة بارا الاستراتيجية والمناطق حولها.
من جهته، قال الضابط السابق في قوات الاحتياط حسن إبراهيم، إنه في الأشهر الأخيرة وسّع الجيش انتشاره في ولايتي شمال وجنوب كردفان وقطع عدداً من الطرق التي تتنقل عبرها "الدعم السريع"، خصوصاً حول مدينتي كادوقلي والدلنج، ما دفع "الدعم" إلى تركيز عملياتها في بعض مناطق جنوب كردفان عبر القصف المدفعي والطائرات المسيّرة،
إلى جانب هجمات برّية وجوية في إقليم النيل الأزرق أقصى الجنوب بالقرب من الحدود مع إثيوبيا، بعد أن سيطرت "الدعم" الثلاثاء الماضي على مدينة الكرمك الاستراتيجية، وسط غارات جوية مستمرة يشّنها الجيش في المنطقة،
كما وسّع الجيش انتشاره حول مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، وعزّز تواجده في عدد من مدن الولايات والطرق الرابطة بينها.
ولفت إبراهيم إلى أن الجيش السوداني حقّق مكاسب كبيرة أخيراً بتوسيع سيطرته في وسط وشمال البلاد، ما منع "الدعم السريع" من شنّ عمليات برّية مؤثرة والاكتفاء بالهجمات عبر الطائرات المسيّرة دون تحقيق أي أهداف عسكرية
متوقعاً أن يحشد الجيش المزيد من قواته في إقليم النيل الأزرق، وأن يتخذ إجراءات لتأمين الحدود الجنوبية.
ولفت إلى أن المواجهات التي وقعت في مدينة الكرمك في النيل الأزرق خلال اليومين الماضيين هي الأحدث في الفترة الأخيرة بين الطرفين، بعد المعارك التي شهدتها مدينة بارا في شمال كردفان خلال الأسابيع الماضية، ما يشير إلى أن "الدعم" أصبحت تتحاشى المواجهات إلا في حالات الضرورة، وفق رأيه.
علماً أن شبكة أطباء السودان، اتهمت أول من أمس، "الدعم السريع"، بتشريد 3 آلاف شخص وتدمير مستشفى مدينة الكرمك، بعد اجتياحها.
أما المحلل السياسي محمدين إسماعيل، فرأى أن التفاوض بين الجيش و"الدعم السريع" أصبح أكثر صعوبة بسبب دخول لاعبين جدد مع طرفي الأزمة، إذ صار لدى الجيش الكثير من المساندين الذين لديهم وجهات نظر مختلفة بشأن عملية السلام المنشودة،
بينما جمعت "الدعم السريع" حولها الكثير من الحركات المسّلحة والمليشيات والقبائل وصارت تتعامل مع الحرب كمصدر للغنائم،
لافتاً إلى أن الجيش يحقق تقدماً رغم تكتمه على سير العمليات العسكرية خصوصاً في إقليم كردفان، حيث تناقصت المواجهات البرّية وأصبحت تقتصر حالياً على غارات بالطائرات المسيّرة.
واعتبر المحلّل السياسي أن فتح "الدعم السريع" جبهة في النيل الأزرق، هو محاولة لفتح طرق جديدة للإمداد مع إثيوبيا وجنوب السودان والضغط على الجيش للتخفيف عن قواتها في ولايتي جنوب وشمال كردفان، الأمر الذي سيؤدي إلى مشاكل دبلوماسية مع أديس أبابا وجوبا.
وأشار إلى أن الأزمة تزداد تعقيداً كل يوم وسينتهي بهما المطاف في النهاية للقبول بتسوية سياسية في ظلّ تأخر الحسم العسكري وطول أمد الحرب ومعاناة الناس،
لافتاً في الوقت ذاته، إلى أن "الدعم السريع" تواجه العديد من المشاكل داخل مناطق سيطرتها في دارفور مثل الانشقاقات الداخلية بسبب الموازنات القبلية، إلى جانب فقدان الكثير من القادة الميدانيين خلال العامين الماضيين، الأمر الذي تسبب في تراجعها ميدانياً مقارنة بالجيش.