بعد فشل المفاوضات.. المنطقة على حافة الخيارات الصعبة
الرأي الثالث - وكالات
كان إعلان نائب الرئيس الأمريكي جاي دي فانس، فجر الأحد 12 أبريل، فشل مفاوضات إسلام آباد مع إيران، نتيجة متوقعة؛ نظراً إلى الهوة الواسعة بين اشتراطات الجانبين، الأمر الذي يضع المنطقة أمام خيارات صعبة متعددة.
هذا الانسداد السياسي ترافق مع تصعيد لافت في الخطاب الأمريكي، حيث لوّح الرئيس دونالد ترامب بفرض حصار بحري على إيران، معيداً نشر تقرير لموقع "جاست نيوز" يتحدث عن خيارات تشمل خنق الاقتصاد الإيراني أو حتى قصف طهران.
وبين هذا التصعيد وتلك الحسابات، يطرح فشل مفاوضات إسلام آباد سؤالاً محورياً: هل نحن أمام نهاية المسار الدبلوماسي، أم مجرد تعثر تكتيكي يمكن تجاوزه؟
والأهم، ما السيناريوهات التي تنتظر المنطقة في ظل هدنة هشة وحرب لم تُحسم سياسياً؟
فجوة عميقة
تكشف مجريات المفاوضات أن الخلاف لم يكن تقنياً بل استراتيجياً؛ فالولايات المتحدة، بحسب صحيفة "واشنطن بوست" (12 أبريل)، تمسكت بإنهاء كامل للبرنامج النووي الإيراني، فيما رفضت طهران التخلي عن حقها في التخصيب.
كما برزت قضايا إضافية مثل مضيق هرمز، والعقوبات، والتعويضات، ووقف إطلاق النار في لبنان، ما جعل الاتفاق أقرب إلى "حزمة مستحيلة"، في وقت ترى طهران أنه من الطبيعي ألا يتم التوصل إلى اتفاق في يوم واحد.
في حين تعكس تصريحات رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، قبيل وبعد المفاوضات، هذا التباعد في المواقف، حيث أكد أن بلاده "لا تثق بواشنطن" بسبب تجارب سابقة، وهو ما يجعل العامل النفسي–السياسي مؤثراً في تعقيد أي تسوية، ويجعل أي تنازل يبدو كخسارة استراتيجية.
ويرى عبد الله العتيبي، أستاذ العلاقات الدولية المساعد بجامعة قطر، أن فشل مفاوضات باكستان لم يكن مفاجئاً، بل نتيجة بنيوية، لافتاً إلى أن الطرفين دخلا بعقلية المنتصر لا المفاوض؛ في محاولة لفرض أمر واقع بدلاً من تقليص الفجوة.
وأشار العتيبي، في منشور على حسابه بمنصة "إكس"، إلى بروز معضلات جديدة على الطاولة، أبرزها مضيق هرمز، لافتاً إلى أن واشنطن تسعى لتكريس الهيمنة كقوة عظمى، بينما تحاول طهران تثبيت مكاسب الحرب كواقع تفاوضي.
واستطرد قائلاً: "الخلافات لم تكن تقنية بل جوهرية، خاصة في موضوع الوقت، دون استراتيجية واضحة لإدارة الزمن التفاوضي أو بناء الثقة التدريجية، فجلسة لمدة يوم دليل على رغبة الأطراف في استعراض القوة لا تقديم المقترحات"، متوقعاً جولة جديدة برعاية باكستانية أو دول أخرى، أو عودة التصعيد العسكري.
هدنة هشة
ورغم فشل المفاوضات، لا تزال الهدنة المعلنة لمدة أسبوعين قائمة نظرياً، لكن تقارير "آي بيبر" البريطانية (12 أبريل) تصفها بأنها "هشة للغاية"، في ظل استمرار التوترات الميدانية، ما يعني أن أي حادث محدود قد يعيد التصعيد سريعاً.
ولعل أحد أبرز السيناريوهات يتمثل في العودة إلى العمل العسكري، سواء عبر ضربات محدودة أو تصعيد واسع.
وفي هذا السياق، حذرت صحيفة "تليغراف" البريطانية (12 أبريل) من أن أي مواجهة في مضيق هرمز قد تُحدث صدمة في أسواق الطاقة العالمية، وترفع أسعار النفط بشكل حاد.
كما يُعد خيار الحصار البحري، الذي لوّح به ترامب، سيناريو وسطاً بين الحرب الشاملة والدبلوماسية، إذ يمكن أن يؤدي إلى خنق الاقتصاد الإيراني تدريجياً، مع الضغط على شركاء طهران مثل الصين والهند،
لكنه يحمل مخاطر تصعيد غير مباشر، خاصة إذا ردت إيران بإغلاق المضيق أو استهداف الملاحة.
- وثمة سيناريو آخر يتمثل في الضغط على إيران لدفعها إلى تقديم تنازلات لاحقة؛ ووفق صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية، فإن إعلان انسحاب الوفد الأمريكي يمثل خطوة تكتيكية للضغط على طهران،
مشيرة إلى أن هذا المسار قد يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة وتكرار حالة الجمود الحالية.
- أما السيناريو الآخر، وفق الصحيفة ذاتها، فيتمثل في إنهاء العمليات العسكرية دون التوصل إلى اتفاق رسمي، وهو ما قد يُفسَّر باعتباره تراجعاً أمريكياً، يترك القضايا الأساسية دون حل، وفي مقدمتها البرنامج النووي ومضيق هرمز.
ورغم التصعيد، لم تُغلق طهران الباب أمام الدبلوماسية، حيث أكدت أن "طريقها لم يُغلق"، ما يفتح الباب أمام جولات تفاوض جديدة، ربما بوساطات مختلفة، خاصة إذا استمرت باكستان في دورها كوسيط.
التموضع بعد المفاوضات
ويرى الدكتور خالد الجابر، المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية في الدوحة، أن السؤال الآن ليس ما إذا كان التصعيد قادماً، بل متى وكيف.
وأضاف الجابر، أنه يمكن فهم إعلان فشل مفاوضات إسلام آباد ليس باعتباره نهاية شكلية لمسار تفاوضي، بل باعتباره تحولاً نوعياً يدفع الأزمة إلى طور أكثر هشاشة وخطورة.
ولفت إلى أن الفشل "لا يُغلق باب التفاوض بقدر ما يُفرغه من مضمونه السياسي الفعّال، ويترك فراغاً تتقدم فيه الحسابات العسكرية على حساب المبادرات الدبلوماسية".
وقال إنه في ظل هذا الفراغ، "تصبح العودة إلى الحوار أكثر كلفة وتعقيداً، ليس فقط بسبب انعدام الثقة، بل لأن الوقائع على الأرض تبدأ في فرض إيقاعها الخاص بعيداً عن منطق الطاولة".
سيناريوهات
ويرى الدكتور خالد الجابر أن السيناريوهات القادمة تتشكل على إيقاع تصعيد يبدو شبه حتمي، وإن اختلفت أشكاله.
- السيناريو الأول يتمثل في تصعيد محسوب، حيث تحاول الأطراف إدارة المواجهة دون الانزلاق إلى حرب شاملة، عبر رسائل أمنية وضربات محدودة تُبقي الصراع تحت سقف معين،
غير أن خطورة هذا المسار تكمن في هشاشته، إذ يمكن لأي خطأ في التقدير أن يدفعه سريعاً نحو التصعيد.
- السيناريو الثاني يتمثل في الانزلاق إلى مواجهة أوسع تتجاوز حدود الضبط وتفرض واقعاً جديداً على الجميع.
- أما السيناريو الثالث، فيبقى رهناً بإدراك متأخر لكلفة هذا المسار، حيث قد تعود الأطراف، تحت ضغط التصعيد ذاته، إلى قنوات تفاوض بديلة، غالباً غير معلنة؛ في محاولة لاحتواء الأزمة.
وتوقع الأكاديمي القطري أنه "حتى هذا الاحتمال لن يعيد الأمور إلى ما كانت عليه؛ إذ سيكون تفاوضاً تحت ضغط النار، لا في ظل توازن سياسي".
وأشار إلى أنه في قلب هذه السيناريوهات، "تقف دول الخليج أمام معضلة مركّبة؛ فهي ليست طرفاً مباشراً في قرار الحرب، لكنها ليست بمنأى عن تداعياتها".
واستطرد قائلاً "طبيعة الصراع ذاته قد تدفع بها إلى موقع الاستهداف، بحكم الجغرافيا والدور، لا بحكم الخيار، وهنا تتجلى المفارقة؛ إذ يسعى الجميع لتجنّب الحرب خطاباً، لكنه يقترب منها سلوكاً".
واختتم الجابر بالقول: "إنها لحظة اختبار قاسية، ليس فقط لقدرة القوى الكبرى على إدارة الصراع، بل لقدرة الدول الإقليمية على النجاة من تداعياته".
الحسابات الدولية
يلعب الموقف الدولي دوراً مهماً في رسم السيناريوهات؛ إذ تشير تقارير "نيويورك تايمز" و"تليغراف" إلى أن واشنطن لا ترغب في حرب طويلة، بينما تعتمد إيران على أوراق ضغط مثل مضيق هرمز، في حين تبدو "إسرائيل" أكثر ميلاً للتصعيد، وفق "يديعوت أحرونوت".
وفي حال العودة إلى التصعيد، فإن ذلك سينعكس على الاقتصاد العالمي، فمضيق هرمز يمر عبره نحو 20% من تجارة الطاقة العالمية، وأي تعطيل له سيؤدي إلى ارتفاع الأسعار، وزيادة التضخم، وتباطؤ النمو، وفق تقارير اقتصادية حديثة.
وتتوقع ابتسام الكتبي، مؤسس ورئيس مركز الإمارات للسياسات وأستاذ العلوم السياسية، عودة الولايات المتحدة وإيران إلى طاولة المفاوضات، لكن بعد تغير الواقع الميداني أو ارتفاع كلفة رفض الطرف الآخر.