وداعاً هادي… آخر الحبال إلى بر الأمان
الرأي الثالث
تلقى اليمنيون صباح اليوم خبر وفاة الرئيس السابق المشير عبدربه منصور هادي الرجل الذي قاد البلاد في واحدة من أكثر مراحلها تعقيدا وحساسية وبرحيله تعود الى الذاكرة فترة حكمه بما حملته من تحديات وما شهدته أيضا من محاولات جادة لفتح مسارات للحوار وتوسيع هامش الحريات.
لقد تميزت تلك المرحلة رغم صعوبتها بقدر ملحوظ من حرية الصحافة والنقد حيث أاتيح للإعلاميين والكتاب التعبير عن ارائهم بدرجة لم تكن معهودة في فترات سابقة كما اتسم خطاب الرئيس هادي بالبساطة والابتعاد عن التعقيد وهو ما جعله أقرب الى فهم المواطن العادي وساهم في خلق مساحة من التواصل المباشر بين القيادة والشعب.
ومن ابرز ما يحسب له سعيه الدائم إلى جمع مختلف الأطراف اليمنية على طاولة واحدة إدراكا منه ان الحل لا يمكن ان يكون الا عبر الحوار والتوافق ورغم ان تلك الجهود لم تحقق جميع اهدافها الا انها عكست نية واضحة لتغليب المصلحة الوطنية على الخلافات الضيقة.
ولا يمكن انكار ان فترة حكمه لم تخل من الملاحظات والانتقادات وهو امر طبيعي في ظل الظروف المعقدة التي كانت تمر بها البلاد لكن عند مقارنة تلك المرحلة بما يشهده الواقع اليوم من انقسامات واخفاقات يجد كثيرون أنفسهم يستحضرون تلك الفترة بشيء من الحنين لما كانت تمثله من حد ادنى من الاستقرار ومحاولات الإصلاح.
ان رحيل عبدربه منصور هادي يمثل خسارة لمرحلة سياسية مهمة في تاريخ اليمن ويستدعي الوقوف عند دروسها واستخلاص العبر منها لعلها تكون منطلقا نحو مستقبل أفضل.
وداعاً هادي… آخر الحبال إلى بر الأمان
اهتم بالجميع… ولم يدر ظهره لأحد، حتى لأولئك الذين غدروا به، وتآمروا عليه، وخذلوه، وطعنوه من الخلف. كان يحمل قلبا كبيرا يتسع لكل أبناء الوطن، لا يفرق بين هذا وذاك، ولا ينظر إلى الناس إلا بعين الأب الذي يخشى على بيته من الانهيار...
عاش عمره يقرب وجهات النظر، ويحاول لملمة ما بعثرته الفصائل والأحزاب والأطماع، وكان آخر الحبال التي تقود اليمن إلى بر الأمان،
غير أن الجميع أبى إلا أن يقطع ذلك الحبل، ليُغرق البلاد في تيه لا ينتهي... لم يكن رجل ضجيج وخطابات نارية، بل كان رجل هدوء واتزان، يؤمن أن الوطن أكبر من الكراسي، وأن الدم اليمني أغلى من كل صراع،
ولهذا ظل، رغم كل شيء، يحاول أن يُبقي الباب مفتوحا للجميع، حتى في أكثر اللحظات ظلمة وقسوة.
صمد حين فر الآخرون، وثبت حين عاث الجميع في الأرض فسادا. واجه وجابه ورفض الاستسلام والانقياد والخضوع، رغم أنه كان في حالة ضعف ومحاصرا بكل أنواع الضغوط والخذلان...
رفض الشروط والقيود والإملاءات، وتحمل من الألم ما تعجز عنه الجبال، لكنه ظل واقفا حتى لا تنزلق اليمن إلى الهاوية الكاملة. فقد الكثير من أسرته، وخاصة أحفاده،
وعانى مرارة التشرد واقتحام البيت والغربة والملاحقة، وربما حتى جراح الكرامة الإنسانية، لكنه بقي محرابا مهابا لم يؤخذ منه شيء يمس كرامة اليمن وسيادته...
وحين تنحى، سلّم اليمن لكل أبنائها دون أن يؤثر طرفا على آخر، وخرج من السلطة كما دخلها:
الجنرال النزيه، والإنسان البسيط، والرجل الذي حمل وطنا مثخنا بالجراح بصمت وكبرياء. إنه الرئيس الهادئ عبدربه منصور هادي، رحمه الله تعالى وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
نسال الله ان يتغمده بواسع رحمته ومغفرته وان يلهم اهله وذويه الصبر والسلوان.