مصر والسودان... تنسيق أمني متصاعد لتحصين الحدود
الرأي الثالث - وكالات
بات أمن الحدود بين مصر والسودان أحد الملفات الأكثر إلحاحاً في حسابات البلدين في الوقت الراهن، إذ قالت مصادر مصرية مطلعة إن الاتصالات المصرية السودانية الأخيرة جاءت مرتبطة بالتحولات المتسارعة التي تشهدها الحرب في السودان.
وتتعلق هذه الاتصالات بالمستوى الميداني أو السياسي والدولي، بالتوازي مع تصاعد العمليات العسكرية للجيش السوداني ضد قوات الدعم السريع، وتكثيف الجهود الدولية لفرض مسار تفاوضي ينهي الحرب.
وأضافت المصادر ذاتها أن الاتصال الهاتفي الذي أجراه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوداني محيي الدين سالم، الأحد الماضي،
يكتسب أهمية خاصة في هذا السياق، بعدما أعقب سلسلة اتصالات أمنية وعسكرية مصرية سودانية متقاربة ركزت بصورة أساسية على دعم وحدة السودان وسيادته ومؤسساته الوطنية، إلى جانب التشاور بشأن تطورات الحرب.
تنسيق استراتيجي بين مصر والسودان
شهد الجانب المصري خلال الأشهر الأخيرة تشديداً واضحاً في عمليات تأمين الاتجاه الاستراتيجي الجنوبي. وأعلنت القوات المسلحة المصرية، الأسبوع الماضي، عن تنفيذ حملات أمنية موسعة في نطاق المنطقة الجنوبية العسكرية ضد بؤر إجرامية تنشط في الاتجار بالسلاح والمخدرات والتنقيب غير المشروع عن الذهب والهجرة غير النظامية.
كما أعلنت أن قوات حرس الحدود تواصل تأمين الحدود البرية والساحلية عبر منظومة مراقبة متكاملة، تشمل أجهزة الكشف والمراقبة ووسائل الاتصال ومركبات الدفع الرباعي وأجهزة الفحص والكلاب المدربة على اكتشاف المهربات.
ولا تنظر القاهرة إلى هذه العمليات باعتبارها مجرد مكافحة للجريمة المنظمة، وإنما بأنها جزء من حماية الأمن القومي في ظل بيئة إقليمية مضطربة.
فقد شدد وزير الدفاع المصري أشرف سالم زاهر، خلال لقائه مقاتلي المنطقة الجنوبية في مايو/أيار الماضي، على أهمية الاستعداد القتالي لحماية الحدود،
مشيراً بصورة مباشرة إلى مكافحة التهريب والتنقيب العشوائي عن الذهب، وربط ذلك بتطورات البيئة الإقليمية والدولية وانعكاساتها على الأمن القومي المصري.
باتت مكافحة شبكات التهريب جزءاً من المعركة الأوسع التي تخوضها مؤسسات الدولة السودانية للحفاظ على خطوط الإمداد والسيطرة على المناطق الحدودية
في المقابل، باتت مكافحة شبكات التهريب جزءاً من المعركة الأوسع التي تخوضها مؤسسات الدولة السودانية للحفاظ على خطوط الإمداد والسيطرة على المناطق الحدودية.
فالحرب لم تعد تجري بين الجيش والدعم السريع على المدن والمواقع العسكرية فقط، بل امتدت إلى السيطرة على طرق التجارة والإمداد والموارد، وفي مقدمتها الذهب.
وكانت تقارير صحافية قد رصدت تنامي نشاط هذه الشبكات على الحدود منذ اندلاع الحرب نتيجة تراجع الرقابة الأمنية وتعدد المنافذ والمسارات الصحراوية.
ومن هذه الزاوية، فإن تزامن تشديد القاهرة إجراءاتها على الحدود مع تحركات سودانية لمواجهة شبكات التهريب يحمل دلالة تتجاوز مكافحة الجريمة. فالهدف المشترك هو منع الحدود من أن تصبح ممراً خلفياً لاقتصاد الحرب.
ولا يقتصر التقارب بين مصر والسودان على الاتصالات السياسية والأمنية، بل يمتد إلى قطاع التعدين، وفي مقدمته الذهب، الذي بات يمثل أحد المجالات اللافتة للاستثمارات العابرة للحدود بين مصر والسودان.
ويبرز في هذا السياق اسم شركة ديب ميتالز للمعادن، التي يرأس مجلس إدارتها رجل الأعمال المصري محمد الجارحي، الأمين العام المساعد لحزب مستقبل وطن ورئيس لجنة المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر بمجلس النواب.
وقد وسعت الشركة حضورها في قطاع الذهب السوداني عبر استحواذها العام الماضي على حصة تبلغ 85% من مشروع ومنجم "أركيديا" للذهب، ضمن صفقة استثمارية قدرت بنحو 277.3 مليون دولار، شملت كذلك إنشاء مصنع لمعالجة المخلفات ومصفاة للذهب،
إلى جانب حقوق الاستكشاف والإنتاج في عدد من مربعات الامتياز في السودان (ولاية الشمالية وولاية نهر النيل وولاية البحر الأحمر وولاية القضارف).
وفي اتجاه عكسي، انتقلت استثمارات "ديب ميتالز" إلى السوق المصرية، إذ وقعت في يونيو/حزيران الماضي اتفاقية للاستحواذ على 50% من أسهم شركة "إبداع لمناجم الذهب"، التي تعمل في مجال البحث والاستكشاف عن الذهب في الصحراء الشرقية بمصر.
وتكتسب هذه التحركات أهمية تتجاوز قيمة الصفقات ذاتها، إذ تعكس نشوء شبكة مصالح اقتصادية مصرية سودانية حول الذهب، تمتد من الاستكشاف والتعدين إلى المعالجة والتكرير.
كما أن امتلاك شركة واحدة لاستثمارات في مشروعات الذهب في مصر والسودان يفتح المجال أمام تطوير سلاسل إمداد إقليمية مرتبطة بالذهب،
وربط عمليات الإنتاج السودانية بالخبرات والبنية التحتية والأسواق المصرية، ما يتقاطع مع توجهات القاهرة لتعزيز موقع مصر بما هي مركز إقليمي لتجارة الذهب وتكريره وخدمة أسواق أفريقيا والشرق الأوسط. من هذه الزاوية،
يمكن النظر إلى توسع "ديب ميتالز" في البلدين باعتباره أحد المؤشرات على أن العلاقة المصرية السودانية لا تُدار فقط من خلال الملفات السياسية والأمنية المرتبطة بالحرب، وإنما تتشكل أيضاً حول مصالح اقتصادية طويلة الأجل قد تصبح أكثر أهمية في مرحلة ما بعد الحرب
خصوصاً إذا نجحت الخرطوم في استعادة السيطرة على مناطق التعدين وطرق التجارة، وتهيأت الظروف أمام إعادة بناء قطاع الذهب الرسمي وتقليص اقتصاد التهريب.
مراقبة الميدان
في هذا الصدد أكد السفير حسام عيسى، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، أن مصر هي "الأكثر وضوحاً" بين دول جوار السودان في موقفها المؤيد للجيش السوداني ومؤسسات الدولة،
معتبراً أن موقف القاهرة، يستند إلى مبدأ الحفاظ على مؤسسات الدولة ورفض انتشار المليشيات. وأضاف أن مصر تشارك في الجهود الرامية إلى وقف إطلاق النار في السودان وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية،
فضلاً عن استضافتها أعداداً كبيرة من اللاجئين السودانيين، إلى جانب مساهمتها في مشروعات تنموية وإغاثية.
من جانبها قالت الخبيرة المصرية في الشؤون الأفريقية أماني الطويل إن السودان يمر حالياً بمرحلة تتسم باتساع رقعة المواجهات، عازية ذلك إلى عدة أسباب، في مقدمتها استمرار حصول أطراف الصراع على الدعم، إلى جانب انشغال الولايات المتحدة بالمواجهة مع إيران.
وأوضحت أن هناك إصراراً من جانب أطراف الصراع في السودان على تحسين كل طرف لموقعه التفاوضي، ما يفسر استمرار العمليات العسكرية في ظل غياب تقدم حقيقي نحو وقف إطلاق النار.
وأضافت أن استمرار التحولات الميدانية على الأرض، ولا سيما في شمال كردفان واتجاه دارفور، سيكون من العوامل المهمة التي ينبغي مراقبتها خلال الفترة المقبلة، لتحديد مدى تأثيرها على فرص استئناف المسار التفاوضي والمبادرات الدولية المطروحة لإنهاء الحرب في السودان.