ما الذي أحدثته مسيرات الجيش اليمني في معادلة الحرب؟
الرأي الثالث
في تقرير عسكري قبل أسبوع كشفت قوات الجيش اليمني عن شنها أكثر من 181 عملية عسكرية خلال 24 ساعة ضد مواقع وأهداف تابعة لجماعة الحوثي في محافظات عدة
نفذتها بواسطة الطائرات المسيّرة في تحول نوعي في التقنيات القتالية للقوات التابعة للحكومة المعترف بها.
وأسفرت عن مقتل وجرح عشرات من عناصر الجماعة وتدمير معدات وآليات وفقاً لبيان المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة اليمنية ماجد النزيلي.
وأدخل الجيش الحكومي منظومة متدرجة من الطيران المسيّر عبر تشكيلة "درون" متنوعة المهمات تبدأ بطائرات الاستطلاع صغيرة الحجم مهمتها تصحيح نيران المدفعية والهجمات القريبة
مروراً بمنصات جوية دخل بعضها ميدان المعركة، وصولاً إلى مسيّرات هجومية بعيدة المدى لم تستخدم حتى الآن.
دبّور السماء
وفي حين كشف وزير الدفاع في يونيو (حزيران) الماضي خلال تصريح صحافي عن الترسانة الجديدة التي دخلت الخدمة لمصلحة قوات بلاده
فإنه لا يُعرف حجم وأعداد المسيّرات لطرفي الحرب مع تفوق ملحوظ لعدد العمليات الموثقة لقطاع الطيران التابع للحكومة الشرعية التي أعلنت في الـ 18 من أغسطس (آب) الجاري تنفيذ 133 عملية ضد قدرات وعناصر الحوثيين، خلال 24 ساعة فقط،
فيما كشفت إحصاءات أخرى عن مقتل أكثر من 200 عنصر حوثي منذ بدء العمليات.
لكن منصة "شيبا إنتلجنسي" كشفت عن نوعية الطائرتين اللتين عرضتهما وزارة الدفاع اليمنية وحملتا توقيع وزير الدفاع طاهر العقيلي الذي دوّن عليهما اسمي "عيبان" و"نقم" وهما جبلان متقابلان مطلان على العاصمة صنعاء.
وقالت إنهما من طراز "دبّور السماء SKYWASP" القادر على الوصول إلى مدى جوي يصل إلى 1500 كيلومتر من دون توقف وحمل رأس حربي يراوح وزنه ما بين 30 و50 كيلوغراماً.
مسار خط الصراع
مثّل هذا التحول عنصر مفاجأة للحوثيين وللشارع اليمني الذي بات يتابع بمشاهدات مليونية، عملياتها الدقيقة عبر المقاطع اليومية التي تنشرها المنصات التابعة للقوات الحكومية وتوثق استهداف ثكنات وعناصر قيادية وعربات وآليات حوثية، لتثير تساؤلات عن جدواها في خط سير الصراع الذي عاد لانتهاج الحسابات العسكرية عقب أربعة أعوام من التهدئة الأممية.
ويحمل اسما "عيبان" و"نقم" رمزية سياسية تتعلق بسعي الشرعية إلى استعادة السيطرة على العاصمة التي تحكم الجماعة الحوثية قبضتها عليها منذ انقلابها في سبتمبر (أيلول) عام 2014.
من جانبها سرّعت الجماعة الحوثية من وتيرة تصعيدها العسكري منذ الشهر الماضي على جبهات عدة، وحازت جبهة الساحل الغربي والمخا النصيب الوافر في كثافة الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية، تزامناً مع عمليات أخرى متعددة الطرق والنيران في مأرب والجوف وشبوة (شرق) والضالع ولحج (جنوب).
الجو لا يمنحك الأرض
ومع ما حملته تطورات الأيام الماضية من التفوق القتالي لهذا السلاح لمصلحة القوات التابعة للحكومة المعترف بها، يقلّل المحلل العسكري عبدالعزيز الهداشي من "قيمتها الاستراتيجية" مع بعض الفائدة في إطار "المشاغلة وضرب خطوط الدفاع الأولى"
ويقول إن ضرب الخطوط الدفاعية وحتى العميقة يتطلب تحركاً برياً فاعلاً.
ويوضح أن "الطيران في كل حروب العالم لا يحسم معركة على الأرض ولا يؤثر في سير نتائجها ما لم تتبعه سيطرة مباشرة وناجزة على الأرض"، معتبراً هجمات الشرعية أخيراً "محاولة لاستنزاف الميليشيات وقدراتها ورسالة ردع نسبي".
نفق الحرب الأوكرانية
وهذه الخلاصة تدفع الهداشي إلى القول إن حرب اليمن "ربما دخلت نفق الحرب الأوكرانية- الروسية، إذ إن استنزاف قدرات كل طرف على خطوط التماس يهدف فقط إلى منع تحرك العدو من دون أن يتقدم أحدهما على الآخر".
ومن الناحية الاستراتيجية ينظر إلى التفوق الذي أحدثته مسيّرات الجيش الحكومي على أنها "تهدف فقط إلى منع الحوثي من شن هجوم بري على مواقع الشرعية".
أما في معادلة القوة، فيرى أن "الحوثي لديه قدرات طيران مسيّر تتفوق على الشرعية نتيجة العمل الإيراني الدؤوب في جانب تطوير قدرات حليفها في اليمن".
ويأتي التصعيد الحوثي ضمن محاولات الاستباق والمبادرة بالهجوم وتوسيع رقعة المواجهات في توقيت لا يعزله المراقبون عن الأحداث المرتبطة بالملف الإيراني ومضيق هرمز،
لتتحول الهدنة التي صمدت منذ أبريل (نيسان) عام 2022 من مساحة مناورة سياسية على أمل التوصل إلى حل سياسي، إلى وضع هش قابل للاشتعال مع تسارع عودة الحسابات العسكرية لواجهة المشهد اليمني،
على رغم استمرار القوات الحكومية في انتهاج وضع الصد الدفاعي وحسب.
ويعتقد الهداشي بأن الشرعية ليست بوارد الحرب ولا استعادة المناطق من قبضة الحوثي ولهذا يضع عمليات استهداف عربات وعناصر الحوثي في سياق "رسالة الردع فقط لمنع تقدمهما".
ويتوقع أن الدخول في انتهاج استراتيجية الحرب بالمسيّرات خيار لا يحسم الصراع في اليمن "بل يعقده ويطيل أمده لأنه يمنع تجميع أية قوة على خطوط الجبهات أو تفوق طرف على الآخر".
صورة أكثر دقة
بالنظر إلى طبيعة العمليات الأخيرة للجيش اليمني الذي شهدت تشكيلاته المختلفة حالاً من التنظيم والاصطفاف القتالي الموحد ضد الحوثيين،
يبرز الحديث عن مستوى المفاجأة والأثر الذي أحدثته مسيّراته بالميليشيات التي أقرت عبر وسائل إعلامها بمقتل 90 عنصراً بينهم نحو 28 من القادة الميدانيين.
ويقول الكاتب السياسي عمار زعبل إن عنصر المفاجأة المحتمل يتعلق بطبيعة القدرات والتكنولوجيا المستخدمة لقوات الجيش وليس بمبدأ امتلاك المسيّرات بحد ذاته.
وتكشف مصادر الفيديوهات المنشورة عن تعدد العمليات الجوية المسيّرة من مختلف التشكيلات العسكرية التابعة للحكومة، من قوات الجيش وألوية العمالقة وحراس الجمهورية والمحاور العسكرية الثمانية التابعة لوزارة الدفاع،
مما يدل على تنسيق مشترك يخضع لقرار عملياتي واحد.
وينظر زعبل إلى الأثر الاستراتيجي لدخول هذا النوع من المقاتلات الصغيرة في المعترك الجاري، من جانب "الإضافة" التي ستمثلها في قوام القدرة القتالية للجيش الحكومي،
وهي وفقاً لقوله "إضافة مهمة على مستوى المراقبة والاستطلاع وجمع المعلومات وتحديد الأهداف"، فضلاً عن أنها تمنح قوات الشرعية "قدرة على الوصول إلى مناطق يصعب على القوات البرية الوصول إليها،
بالتالي كسر استراتيجية الميليشيات التي تضرب ثم تختبئ في الجبال".
والأهم في رأيه أن تساعد المسيّرات "في بناء صورة أكثر دقة عن تحركات الحوثيين ومواقعهم، وتحسين التنسيق بين وحدات الاستطلاع والقوات البرية والجوية، بما يعزز القدرة على الردع ويحد من عنصر المفاجأة الذي كثيراً ما استفادت منه الجماعة".
بين دمشق وصنعاء
يفسر النشر الإعلامي الذي رافق عمليات الجيش الأخيرة ضد الحوثيين بأنه "أعطى رسالة نفسية وعملياتية أرقت الحوثيين وداعميهم"، وفقاً لزعبل.
كذلك، يُعد بمثابة "استحضار لما حصل لنظام الأسد، إذ إن المعارك حسمت هناك في أكثر من جبهة ومحور قتالي عبر سلاح الطيران المسيّر، والرسالة هنا أن موعد الحوثي اقترب".
ومع ذلك لا يمكن اعتبار امتلاك المسيّرات وحده، وفقاً لزعبل، "تحولاً حاسماً في ميزان القوى، إذ يعتمد تأثيرها في مستوى التكنولوجيا والتدريب والجاهزية، فضلاً عن القدرة على دمجها ضمن منظومة عسكرية واستخباراتية متكاملة".
لكن التطور في هذا النوع العسكري "يفتح أمام الجيش والحكومة اليمنية مساحة جديدة للتحرك، خصوصاً في ظل التطورات الإقليمية وتزايد حضور دول تمتلك خبرات متقدمة في تكنولوجيا الطائرات المسيّرة، وفي مقدمتها تركيا".
معادلة جديدة
وعلى رغم ما يمتلكه الحوثيون من تقنيات مماثلة، فإن الحصار على إمداداتهم العسكرية الذي زاد خناقه أخيراً ربما يحد من قدرتهم عبر الزمن، فيما تتعزز بالمقابل قدرات القوات الحكومية في هذا الجانب، خصوصاً في حال امتدادها إلى عمقهم القيادي.
ويلخص زعبل مصدر القلق الحوثي المحتمل في "انتقال استخدام هذه الطائرات من أداة استطلاع محدودة إلى جزء متطور من منظومة قتالية متكاملة، وليس ظهور المسيّرات في يد الجيش للمرة الأولى"
مرجحاً أن "يفرض هذا الواقع معادلات جديدة على الجماعة ويعزز قدرة الجيش على الردع والاستجابة".
من جانبها نشرت جماعة الحوثي المصنفة إرهابية الجمعة الماضي مشاهد مصورة قالت إنها توثق لعمليات عسكرية جوية بالطيران المسيّر استهدفت تجمعات وآليات تابعة للقوات الحكومية عند جبهات القتال في محافظة مأرب والساحل الغربي.
وبث الإعلام الحربي للجماعة مقطع فيديو ذكر أنه يوثق تنفيذ طائرات مسيّرة من طراز "رجوم" عمليات استهداف آليات وتجمعات عسكرية، تقول الجماعة إنها تابعة للحكومة.
وشكك مراقبون في صحة تلك المعلومات، متهمين الميليشيات المدعومة من النظام الإيراني باستخدام تقنيات لتزويرها.
وتأتي هذه التطورات وسط تحذيرات أممية من خطر انزلاق اليمن مجدداً إلى صراع واسع النطاق. وصرّح مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن هانس غروندبرغ الخميس الماضي، خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي، بأن "اليمن يواجه اليوم خطراً أكبر للعودة لصراع واسع النطاق مقارنة بأي وقت مضى منذ الهدنة التي توسطت فيها الأمم المتحدة عام 2022".
توفيق الشنواح
صحافي يمني