من يظلمون ويبررون… هل يصومون حقاً؟
المشكلة ليست في وقوع الظلم بحد ذاته؛ فالظلم قديم قِدم التاريخ.
المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يتحول الظلم إلى خطابٍ مُلمَّع
يُسوَّق للناس بوصفه إنجازًا
ويجد من يبرره ويمنحه غطاءً أخلاقيًا ولغويًا.
عندها لا يعود الظلم حادثة عابرة
بل يتحول إلى ثقافة تربك القيم وتشوّه البوصلة الأخلاقية للمجتمع.
وقد حسم القرآن الموقف بوضوح لا يحتمل التأويل:
﴿وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾.
فالصمت انحياز
والتبرير شهادة زور
والمجاملة في موضع الحق خيانة للقيم قبل أن تكون خيانة للناس.
اختلال العدالة ليس أزمة مالية… بل أزمة ضمير
التمييز في الرواتب ليس مسألة تقنية ولا إدارية
بل اختبار صريح لمعنى العدالة.
حين تتقاضى فئات كاملة حقوقها وحوافزها
بينما تعيش فئات أخرى على نصف راتب أو ربعه
وفئات بلا راتب أصلاً
فإن الخلل لا يمكن تفسيره بالأرقام
بل يُفهم بوصفه خللاً في ميزان العدالة.
الراتب ليس مِنّة ولا امتيازاً يُمنح وفق النفوذ أو القرب أو الموقع
بل حق مقابل عمل.
والأشد قسوة أن يُقال للموظف الذي تتآكل قدرته على العيش إنّه “ليس بحاجة لراتبه”.
أي خطاب هذا الذي يطالب الناس بالصبر بينما يُصادَر حقهم
في الحد الأدنى من الكرامة؟
حين يصبح التبرير غطاءً للظلم
تمجيد من أقرّ هذا التمييز بوصفه
“رجل دولة” أو “رجل المرحلة” لا يصنع شرعية
بل يمنح الظلم غطاءً لغويًا.
ليس كل مديح تقديرًا؛ أحيانًا يكون التبرير الصريح لسياسات مجحفة.
المشكلة لا تتوقف عند من يمارس الظلم
بل تمتد إلى من يجمّله ويبرره ويبحث له عن الأعذار طمعًا في منصب أو تقرّبًا أو مكسبٍ عابر.
وهنا يتضاعف الخلل؛ لأن الظلم إذا وُجد من يبرره تحوّل من قرارٍ خاطئ إلى منظومة كاملة.
لا تُرفع القضايا الكبرى لإسكات الحقوق الصغيرة
من يظلم الناس في رواتبهم وحقوقهم وحرياتهم لا يملك أخلاقيًا ادعاء نصرة المظلومين في مكان آخر.
القضايا العادلة لا تتحول إلى شماعة لتعليق الأخطاء
ولا إلى غطاءٍ لمصادرة الحقوق.
العدل لا يتجزأ، والضمير لا يعمل بالانتقائية.
رمضان يكشف التناقض المؤلم
اليوم الثاني من رمضان
وكثير من الموظفين لا يملكون ما يواجهون به هذا الشهر.
شهر الرحمة يكشف المفارقة القاسية:
كيف يُرفع شعار الرحمة بينما يُترك الناس تحت سلطة المسؤولية يواجهون الجوع والعوز؟
المسؤولية أمانة قبل أن تكون منصبًا:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾
﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ﴾.
ومن يبرر الظلم طمعًا في منصب أو تقرّبًا
ينسى أن كل كلمة تُسجَّل:
﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾.
السؤال الذي لا يسقط بالتقادم
أين تذهب الإيرادات؟
الشفافية واجب والمساءلة حق
وتحمل المسؤولية ضرورة لا خيار.
فالعدل أساس الاستقرار والظلم سبب الخراب:
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾.
المجتمعات لا تنهار بكثرة الظالمين فقط بل بكثرة من يبرر لهم.
والكلمة الصادقة في وجه الظلم ليست موقفًا سياسيًا
بل الحد الأدنى من الواجب الأخلاقي…
وشهادة حق أمام الله والتاريخ.