الفيضانات في اليمن: حرب أخرى تعمّق الأزمة الاقتصادية
يواجه اليمن حرباً أخرى تتمثل في فيضانات وسيول الأمطار التي تتجاوز خسائرها الأرواح والممتلكات إلى جرف مساحة واسعة من الأراضي الزراعية وتضرر المحاصيل ونفوق الماشية، مما يعمق أزمات الاقتصاد ويفاقم معاناة السكان في بلد يعاني أصلاً من أزمة اقتصادية حادة نتيجة تداعيات الحروب الإقليمية.
وأدت الفيضانات الناتجة عن سيول الأمطار، في 27 مارس/ آذار الماضي، إلى جرف رقعة واسعة من الأراضي الزراعية وتدمير المحاصيل والمنازل والطرقات ونفوق الماشية في المناطق الغربية من محافظة تعز على ساحل البحر الأحمر جنوب غربي البلاد.
وبدأ موسم الأمطار في اليمن هذا العام أبكر من المعتاد، حيث سُجّلت أمطار خفيفة في البداية اعتباراً من 20 مارس/ آذار الماضي، ثم اشتدت بشكل ملحوظ يومي 9 و10 إبريل/ نيسان الحالي، مما أدى إلى فيضانات عارمة في أنحاء البلاد،
وتأثرت بها أكثر من عشر محافظات، منها تعز (المخا)، والجوف، وإب، وأبين، والبيضاء، ولحج، ومأرب، والحديدة، وحضرموت، وعدن، والضالع.
وأوضح تقرير حكومي، مطلع إبريل/ نيسان، أنّ سيول الأمطار في مناطق غرب محافظة تعز أودت بحياة 15 مواطناً وخسائر فادحة في الممتلكات والمنازل والمساحات الزراعية والبنية التحتية والثروة الحيوانية.
وأشار التقرير إلى تضرر نحو 6 آلاف أسرة، وشدّد على ضرورة إعادة تأهيل الأراضي الزراعية التي تجرفت بفعل السيول.
من جانبها حذرت منظمة الأغذية والزراعة "فاو"، في 29 مارس الماضي، من أمطار غزيرة غير معتادة يُتوقع هطولها في اليمن خلال الأشهر المقبلة، ما ينذر بفيضانات واسعة قد تهدد أكثر من 409 آلاف هكتار من الأراضي المزروعة وحوالي 1.7 مليون رأس من الماشية.
وأوضحت المنظمة، في نشرة آفاق الأرصاد الزراعية، أن ذروة الأمطار قد تصل إلى نحو 150 مليمترا، لا سيما في المرتفعات الوسطى، بما في ذلك محافظات صنعاء وريمة وذمار وسط البلاد.
ونبهت إلى أن مخاطر فيضانات الأمطار تهدد نحو 65% من الأراضي الزراعية في محافظة الحديدة الساحلية على البحر الأحمر.
وحذرت المنظمة التابعة للأمم المتحدة من أن الفيضانات قد تتسبب في تآكل التربة وانتشار الآفات وزيادة مخاطر الجراد الصحراوي، مما قد يفاقم هشاشة الأمن الغذائي في البلاد، داعية إلى تعزيز أنظمة الإنذار المبكر وتطبيق ممارسات زراعية قادرة على التكيف مع التغيرات المناخية.
وأوضح مسؤول في السلطة المحلية بمحافظة تعز ، أنّ "التقديرات الأولية تشير إلى أن الخسائر الناتجة عن فيضانات الأمطار قد تتجاوز نصف مليار دولار بانتظار التقييم النهائي من فريق حكومي يتولى حصر الأضرار"،
وأشار إلى أن "الحكومة لا تمتلك مخصصات للطوارئ حيث تعاني ضائقة مالية وتكافح لدفع رواتب موظفي القطاع العام، وتعتمد بشكل كلي على مساعدة المنظمات الدولية في معالجة الأزمة".
وقال تجار ومزارعون إنّ أضرار فيضانات الأمطار تمتد إلى إحجام البنوك عن تمويل المزارعين فضلاً عن الآثار المباشرة على المزارعين والمواطنين، حيث تؤدي إلى نقص شديد في المنتجات الزراعية المحلية من الخضروات والفواكه والبقوليات والحبوب والألبان نتيجة تدمير المحاصيل، وبالتالي الارتفاع في الأسعار.
وقال محمد المشولي، تاجر في توزيع المنتجات الزراعية، إنّ "معظم المزارعين باتوا يعتمدون على البنوك التجارية في تمويل نشاطهم، ويؤدي تضرر المحاصيل إلى عجزهم عن سداد الأقساط،
وهذا بدوره يؤدي إلى زيادة حجم القروض المتعثرة، وإلى فرض المزيد من القيود على تمويل الزراعة".
وأكد أستاذ الاقتصاد في جامعة تعز محمد قحطان أنّ الاقتصاد يدفع كلفة باهظة نتيجة أضرار سيول وفيضانات الأمطار، ولا سيما القطاع الزراعي الذي بعد النشاط الرئيسي في المناطق اليمنية ويُؤمّن دخلاً لنحو 70% من السكان،
حيث لجأ إليه الآلاف بسبب تداعيات الحرب وانقطاع الرواتب وتوقف معظم مصانع القطاع الخاص.
وتؤكد المنظمات الدولية أن اليمن من أكثر البلدان عرضة للتغيرات المناخية وأن الزراعة، باعتبارها مصدراً حيوياً للعيش في اليمن، تواجه تداعيات خطيرة على الأمن الغذائي والاقتصاد بشكل عام نتيجة لأضرار الفيضانات،
وقالت إنه "من المتوقع أن يؤدي فقدان المحاصيل وانخفاض الدخل الزراعي إلى تفاقم انعدام الأمن الغذائي القائم، والذي هو في الواقع حرج بالفعل بسبب استمرار النزاع وعدم الاستقرار الاقتصادي".
وأوضح نظام معلومات الأمن الغذائي والإنذار المبكر التابع لمنظمة الأغذية والزراعة "فاو" في تقرير سابق أن نحو 341 ألف هكتار من الأراضي الزراعية تضررت من فيضانات الأمطار خلال السنوات الماضية،
فضلاً عن تضرر كبير في الثروة الحيوانية عبر نفوق نحو 280 ألف رأس من الأغنام والماعز.
فاروق الكمالي