لا لخطابات الكراهية والتحريض المناطقي!!
ما الفائدة الاستراتيجية من إهانة كرامة المواطنين أبناء المحافظات الشمالية في النقاط العسكرية التابعة للانتقالي بين المحافظات الشمالية وعدن؟
إنّ ممارسات التوقيف والإذلال والتهكّم والمنع من مواصلة السفر لا يقرّها دينٌ ولا وطنٌ ولا إنسانية، وما يحدث من تحقيرٍ واستعلاءٍ أقرب إلى أفعال قطّاع الطرق منه إلى تصرف مسؤولين يفترض بهم حماية أمن الناس وكرامتهم.
من هنا، أدعو العقلاء في المجلس الانتقالي إلى وقف خطاب التحريض في وسائل إعلامهم، ووضع حدٍّ فوريٍّ للممارسات غير الإنسانية في النقاط العسكرية الواقعة تحت سيطرتهم، احترامًا لأبسط معايير الكرامة الإنسانية،
وصونًا لحقوق المسافرين الأبرياء الذين لا يطلبون منكم سوى السماح بالعبور الآمن.
حتى لو كان أبناء المحافظات الشمالية قادمين من أقاصي الأرض — من موزمبيق أو السنغال — وليسوا يمنيين ولا عربًا، فلا يجوز شرعًا ولا قانونًا ولا أخلاقًا معاملتهم بأسلوبٍ عنصريٍّ أو مناطقي.
هذه ليست أخلاقنا كيمنيين، ولا قيمنا كعرب، ولا سلوكًا يليق بمسلمين يرجون الجنة بأعمالهم.
ألم نتعلم من ديننا الحنيف أن الإسلام يدعو إلى المساواة المطلقة بين الناس، وأنهم «سواسية كأسنان المشط»، لا فضل لأحدٍ على آخر إلا بالتقوى والعمل الصالح؟
ألم نتعلم أن أصلنا جميعًا واحد — «كلكم لآدم وآدم من تراب» — وأن الكرامة الإنسانية مقدسة بقوله تعالى: «ولقد كرمنا بني آدم»؟
من يهدرها إنما يخالف صريح النصوص ويحيي عصبيات الجاهلية التي نهى عنها الرسول صلى الله عليه وسلم، حين قال: «ليس منا من دعا إلى عصبية».
ولنتذكر عتاب النبي لأبي ذر حين عيَّر بلالًا بأصله، فوبَّخه تأديبًا وتطهيرًا من تلك العصبية.
انظروا إلى ما يفعله غيرنا: لقد استقبلت ألمانيا والغرب ملايين اللاجئين من شعوبٍ وأعراقٍ شتى، ممن عبروا الحدود والبحار بطرق غير قانونية،
ومع ذلك استُقبلوا بالاحترام والرعاية. فُتحت لهم البيوت والمدن، وقُدّمت لهم الرعاية والخدمات، ووُضع صون كرامة الإنسان في صميم دساتيرهم حتى غدا أساسًا لكل قانونٍ وحقٍّ فيها.
أما نحن — أبناء بلدٍ واحدٍ ودينٍ واحدٍ وتاريخٍ واحدٍ — فنسمح لخطابات الكراهية أن تمزّق نسيجنا الاجتماعي، وأن تُسقط احترامنا لأنفسنا.
كيف نقبل أن نُقسّم بعضنا إلى شمالي وجنوبي، «دحباشي» و«جعربي»، وكأن اليمن ملك لفئةٍ دون أخرى؟
هذه الأمراض المناطقية التي يُغذيها الانتقالي او غيرهم لا تمس فقط البسطاء في الطرق والنقاط، بل تمسّ جوهر إنسانيتنا وهويتنا الجامعة.
رسالتي إلى العقلاء منهم ومن بقي لديهم ضميرٌ حيٌّ: أوقفوا هذه الانتهاكات فورًا. لقد دفع اليمنيون ثمنًا باهظًا لثقافة الكراهية والتحريض المناطقي، ولا مستقبل لوطنٍ تُهان فيه كرامة الإنسان على أساس الهوية أو الجغرافيا.
فاليمني، من أيّ محافظة كان، هو ابن الأرض منذ الأزل.