التصعيد في مضيق هرمز وإعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمي
يمثل التصعيد القادم بين الولايات المتحدة وإيران، عقب فشل جولة التفاوض يوم امس وعودة الوفد الأمريكي دون تحقيق اختراق، نقطة تحول نوعية في مسار التفاعلات الجيوبوليتيكية في الخليج العربي.
إذ لم يعد الصراع محصورًا في إطار الخلافات السياسية والصاروخية أو النووية، بل انتقل إلى مستوى الصراع على تامين الطاقة والتحكم بالممرات الاستراتيجية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، الذي يُعد شريان الطاقة العالمي وأحد أهم نقاط الاختناق الجيوسياسي في العالم.
إن استمرار اغلاق المضيق والتلويح الإيراني بالتحكم الانفرادي المستمر واستخدامه ورقة ضغط – أو حتى التحكم في تدفق الملاحة عبره – يعكس إدراك طهران العميق لطبيعة قوتها الجيوبوليتيكية بوصفها قوة برّية تتحكم بعقدة بحرية حيوية، ما يمنحها قدرة استثنائية على التأثير في النظام الاقتصادي العالمي.
في المقابل، جاء رد فعل التحرك الغربي بقيادة المملكة المتحدة وبالشراكة مع الولايات المتحدة نحو تشكيل تحالف دولي واسع يضم عشرات الدول،
ليؤكد أن القوى الأطلسية لا تنظر إلى الأزمة بوصفها نزاعًا إقليميًا فحسب، بل باعتبارها تهديدًا مباشرًا لحرية الملاحة والنظام الدولي القائم على السيطرة البحرية، وتحاول بريطانيا اعادة مجدها التي عززته بالسيطرة البحرية على العالم القديم.
في هذا السياق، يتجسد بوضوح ما طرحه ألكسندر دوغين حول الصراع التاريخي بين قوى البر وقوى البحر؛ حيث تمثل إيران نموذجًا لقوة قارية تسعى إلى كسر الهيمنة البحرية،
بينما تجسد الولايات المتحدة وحلفاؤها الامتداد المعاصر للقوة الأطلسية التي تقوم استراتيجيتها على تأمين الممرات البحرية العالمية ومنع أي قوة إقليمية من احتكارها أو تهديدها.
غير أن هذا التصعيد لا يُرجح أن يقود – في المدى القريب – إلى حرب شاملة، بل إلى نمط من التصعيد المُدار الذي تتداخل فيه أدوات الردع العسكري مع الضغوط الاقتصادية العالمية والتحركات غير المباشرة، الذي تقوم بها الدول الفاعلة في النظام الدولي.
ولكن من المتوقع أن تلجأ إيران إلى توسيع نطاق الضغط عبر ساحات إقليمية متعددة، مثل العراق واليمن التي تعتبرها ورقة رابحة يتم التهديد بها بين الحين والآخر، دون الانخراط في مواجهة تقليدية مباشرة،
في الوقت نفسه سيعمل التحالف الدولي على تكثيف حضوره العسكري البحري والتعزيزات الجوية لضمان استمرار تدفق التجارة والطاقة، تجنباً لازمة عالمية في الطاقة اكثر مما هي عليه اليوم.
على الجزيرة العربية واهميتها، يكشف هذا التطور عن هشاشة البنية الأمنية الإقليمية، ويؤكد أن دول الخليج واليمن لم تعد مجرد فاعل اقتصادي، بل أصبحت محورًا لصراع جيوبوليتيكي عالمي.
كما يبرز الدور المتصاعد للبحر الأحمر كامتداد استراتيجي للصراع، بما يعزز من أهمية العمق اليمني في معادلة الأمن الإقليمي.
بناءً على ذلك، لم يعد مشروع التكامل أو اتحاد دول الجزيرة العربية خيارًا سياسيًا طموحًا فحسب، بل بات ضرورة جيوبوليتيكية ملحة تفرضها تحولات البيئة الاستراتيجية
حيث إن غياب كيان إقليمي موحد يترك المجال مفتوحًا أمام القوى الخارجية لفرض معادلاتها على المنطقة، وتحويلها إلى ساحة صراع بالوكالة بدلًا من أن تكون فاعلًا مستقلًا في تشكيل النظام الإقليمي، وحماية الملاحة وتحقيق الأمن والسلم الدوليين.
* دبلوماسي وسياسي يمني