خطبة الجمعة
أبريل يطوي أيامه ونصف مرتب فبراير المفقود لم يأت بعد!
أيها المؤمنون، يبدو أن التقويم عندنا لا يسير وفقاً لدوران الأرض حول الشمس، بل وفقاً لدوران أنصاف المرتبات المفقودة داخل دهاليز المماطلات، ولف ودوران المعاملات حول أجرام التسويف ووعود التزليف.
آلية استثنائية، وتصنيف طبقي مالي، وقانون كتب بمداد الوعود، ولكن على أرض الواقع، يمر الشهر تلو الآخر ونحن ننتظر ½ مرتب نحيل لشهور قد انقضت!
يا قوم هذه ليست مجرد أرقام متأخرة، بل هي حياة انسان، واستقرار أسرة، وكرامة موظف يجد نفسه مطالباً بالعطاء الكامل والالتزام المطلق،
مقابل فتات لا يصل، وإن وصل فإنه يأتي مثقلا بالديون والالتزامات التي سبقت موعده بشهور، فيتبخر في الجيب قبل الوصول إلى البيت.
آلية اسميتموها استثنائية ولا أدري أين الاستثناء فيها وهي لم تغير وضع الموظف المالي، ولم تفي بالتزاماتها تجاهه، هي آلية تحتاج إلى مراجعة عاجلة.
قلتها لكم مرارا وتكرارا أن الالتزام بالواجبات يقتضي التزاما بالحقوق، وكما أن الحقوق التي تقطع أوصالها أنصافا، لا تنبت عملا صالحا، فالكرامة لا تقبل التجزئة، والحاجة والديون لا تعترف بقوائم الانتظار.
ألا فأقيموا ميزان العدل قبل أن تقيموا صفوف الصلاة، فلا استقامة لجسد في محراب إذا اعوجت ذمته بظلم العباد، ولا قبلة لمن استباح أرزاق الناس، فمن حبس حقوقهم بالباطل، حُبست صلاته عن رب الأرض والسماء.
(العلم محراب المؤمن وبوابة اليقين)
لا يتصادم نور العقل مع ضياء الوحي إلا في ذهن قاصر، فالعلم ليس خصماً للإيمان، بل هو لسانه الناطق، وبابه الأوحد للولوج إلى حقائق التوحيد الكبرى، فالعلم هو العدسة التي نبصر بها بصمات الخالق في أصغر ذرة وأبعد مجرة.
والعلم ليس مجرد معادلات جافة، بل هو ترتيلة عشق في محراب الكون، فمن سار في الأرض مستكشفاً، لم يزدد إلا انبهاراً بعظمة من وضع القوانين وأحكم التدبير.
كيف يدرك مدى العظمة من لم يبحر في ملكوت الصانع؟ وكيف يرتجف القلب هيبة من خالق يجهل العبد أسرار صنعه ودقائق إبداعه في هذا الكون الفسيح؟
لقد جعل الله معرفة أسرار كونه طريقاً لتعظيمه، فالمعرفة تسبق الخشية، والبيان يمهدُ للإيمان.
لم يأمرنا الله بالتدبر إلا لنكون خلفاء إعمار لا سكان غفلة، نستنطق من الأرض كنوزها، ونستلهم من النجوم هيبتها، لنصل في النهاية إلى حقيقة واحدة: أن العلم صلاة، وأن البحث عبادة.
فالعالم في مختبره، والباحث في مرصده، كلاهما يقرأ في ملك الله المنظور ما يصدق كتابه المسطور:
(إِنما يخشى اللَّه من عباده العلماءُ).