حين يسقط القائد ويبقى الهياج !!
ليست المأساة في سقوط المشاريع السياسية فحسب، بل في "الزلزال النفسي" الذي يضرب وجدان الأتباع حين يستيقظون على واقعٍ مغاير لما رُسم في خيالاتهم؛
فبالأمس كانت "نشوة القوة" تُغذي كبرياء "الجعاربة"، وكان التبجح بمشروع "الخلاص" المتمثل في الانفصال يمنحهم شعوراً زائفاً بالعظمة،
حتى تحول القائد في وعيهم من بشرٍ يخطئ ويصيب إلى رمزٍ مطلق لا يأتيه الانكسار، ليعيش هؤلاء حالة تسميها السيكولوجيا "النرجسية الجماعية"، حيث يرى التابع نفسه عملاقاً من خلال انتمائه لزعيم يراه جباراً،
وهي القوة التي كانت تمنحهم الحق في تهميش الآخرين والتعالي عليهم.
ولكن، مع الاختفاء والهروب والارتهان للخارج، حدث ما يسمى "الارتباك المعرفي"،
فالواقع الصادم يقول إن مشروعهم تهاوى وتحول إلى مجرد أداة في يد الغير، بينما ترفض العاطفة المنكسرة تصديق هذه الهزيمة،
وهنا يتحول الأتباع من "الجعاربة" إلى حالة من "الهياج المسعور"، ليس دفاعاً عن قضية وطنية حقيقية، بل دفاعاً عن "صنمهم الداخلي" الذي بدأ يتشقق أمام أعينهم،
فهم يخشون مواجهة الحقيقة لأن الاعتراف بفشل مشروع انفصال جنوب اليمن يعني اعترافهم الصريح بأنهم كانوا ضحية وهمٍ كبير، وهذا أصعب ما يواجهه العقل البشري الذي اعتاد العيش في كنف الأوهام.
لقد أصبح هؤلاء اليوم يعيشون على "الفتات الرقمي"، حيث تتحول تلك الحالة من التهليل لمجرد منشور عابر أو تسجيل صوتي يطل به القائد من منفاه إلى محاولة يائسة لاستعادة "النشوة المفقودة"،
فيقدسون "الرسالة" لا لمحتواها، بل لأنها الأوكسجين الذي يبقي "الجعاربة" على قيد الوهم بعيداً عن اختناق الواقع الذي يلفظ أحلامهم الصغيرة،
وهو مشهد يعيدنا بوضوح إلى نفسية أتباع "بنيتو موسوليني" في أيامه الأخيرة، حين تحولوا من رهبة السلطة إلى مجموعات منكسرة تتشبث بخطابات باهتة لإقناع أنفسهم بأن النصر قادم، بينما كان الواقع يكتب فصل النهاية بمداد من الخيبة.
إنني أرثي لحالهم اليوم، ليس شماتة، بل إدراكاً لعمق الفجيعة النفسية، فمن القاسي جداً أن تنام ملكاً في خيالك الانفصالي وتستيقظ باحثاً عن "إشارة صوتية" من وراء البحار لتثبت لنفسك أنك ما زلت على قيد الوجود السياسي،
لقد سقط القناع أخيراً عن وجه الجعاربة، ولم يبقَ خلفه سوى ضجيج الحيارى في مأتم حلمٍ كان يُراد له أن يكون وطناً، فصار في نهاية المطاف مجرد رسالة واتساب
* كاتب وباحث يمني