الإخوان المسلمين في اليمن بين شبح التصنيف الإرهابي وانهيار النفوذ في الشرعية
الحديث عن تقاربات مشبوهة بين، المملكة العربية السعودية والحوثيين، يجري توظيفه في بعض الأوساط بطريقة تتجاهل عمداً حقيقة الصراع داخل معسكر الشرعية نفسه.
فالمسألة لا تتعلق بتسليم اليمن، أو إعادة احياء سرديات تأريخية، بقدر ما ترتبط بمحاولات البحث عن تسويات توقف حربًا استنزفت الجميع.
غير أن اكثر القوى انزعاجاً من هذه التحولات هي ،جماعة الإخوان المسلمين في اليمن، التي تمكنت خلال سنوات الحرب من فرض حضور وأسع داخل مؤسسات الشرعية، وتحويلها في كثير من الأحيان إلى أدوات نفوذ حزبي.
وهو ما يفسر حملات الهجوم المتصاعدة على المملكة، كلما ظهرت ملامح سياسة جديدة في اليمن.
لقد مارست جماعة الإخوان، عبر نفوذها في مؤسسة الرئاسة والحكومة المقيمة في الرياض، نوعاً من الاحتكار السياسي والإداري، أدى الى اقصاء كثير من المكونات الوطنية، والسيطرة على مفاصل القرار والمال العام، والمناصب العليا.
ومع كل حديث عن تفاهمات اقليمية أو ترتيبات سياسية جديدة يظهر القلق داخل هذه الجماعة من فقدان الأمتيازات التي راكمتها.
ولذلك تتجه منصاتها الإعلامية الى مهاجمة السعودية ليس دفاعاً عن اليمن أو سيادته، بل خوفاً من أن تؤدي التحولات الجديدة الى تقليص نفوذها وفتح المجال أمام شركاء جدد من الطيف السياسي اليمني.
وتتعمق هذه المخاوف مع إدراك الإخوان أن المملكة تجاوزت عملياً الكثير من قيود الشرعية التقليدية، وبدأت في مقاربة أكثر براغماتية تقوم على البحث عن تفاهمات أمنية وسياسية مباشرة تخدم استقرار المنطقة .
وهو ما أعتبرته هذه الجماعة تهديدا لمشروعها القائم على أستمرار الحرب وإدارة الأزمة لا حلها .
كما أن أي تسوية شاملة تفتح الباب لمشاركة أوسع للمكونات الوطنية، ستعني بالضرورة نهاية مرحلة الاستئثار التي وفرت للإخوان نفوذا غير مسبوق داخل بنية الدولة المنهكة.
وفي هذا السياق، يزداد القلق داخل الجماعة مع تصاعد النقاشات الدولية المتعلقة بأحتمال تصنيف جماعات الإخوان المسلمين منظمات إرهابية، وفي مقدمتها ما قد يصدر مستقبلاً عن الولايات المتحدة.
وهو احتمال اذا تحقق فانه سيضع القوى المرتبطة بهذا التيار داخل الشرعية في مأزق سياسي وقانوني عميق، وسيعيد طرح سؤال مشروعية استمرار هيمنة هذا التيار على القرار الرسمي.
كما أن هذا الأحتمال يفسر جانباً من التصعيد الإعلامي ضد السعودية، بأعتباره محاولة استباقية لحماية شبكة المصالح السياسية والاقتصادية التي تشكلت خلال سنوات الحرب.
وعليه فان جوهر الصراع اليوم لا يكمن في مزاعم تقارب سعودي حوثي، بقدر ما يكمن في مقاومة قوى نافذة داخل الشرعية لاي تحول قد ينهي احتكارها للسلطة والموارد.
فهذه القوى لا تخشى الحوثيين، بقدر ما تخشى فقدان نفوذها، ودخول لاعبين جدد الى المشهد اليمني .
ولذلك تبدو حملاتها ضد المملكة جزءاً من معركة دفاع عن المصالح، لا عن الدولة ، بينما يظل مستقبل اليمن مرهوناً بتسوية تفتح المجال لكل المكونات الوطنية، وتضع حداً لهيمنة القوى التي ساهمت في إطالة الحرب وتعطيل فرص السلام. .
* سفير بوزارة الخارجية