حين يضيق الخطاب وتتسع المجتمعات: في مصير الجماعات الدينية!!
لم تعد المجتمعات اليوم كما كانت قبل عقد أو عقدين.
اتساع المعرفة وتسارع تداول المعلومات وتراكم الخبرات السياسية؛
كلها عوامل أعادت تشكيل وعيٍ جمعيّ أقل قابلية للانقياد خلف الشعارات المطلقة
وأكثر حساسية تجاه أي مشروع يحتكر الحقيقة أو يصادر حق الاختلاف.
التجارب القريبة تقدّم مؤشراً واضحاً.
جماعات رفعت سقف الادعاء إلى حدّ تمثيل “الحقيقة الكاملة” سقطت سريعاً عندما تحوّل خطابها إلى ممارسة إقصائية؛
كما حدث مع تنظيمات متطرفة مثل تنظيم الدولة الإسلامية وتنظيم القاعدة حيث أدّى العنف واحتكار الفهم إلى نفور مجتمعاتها قبل خصومها.
وفي مستوى أقل حدّة واجهت حركات ذات طابع سياسي
ديني مثل جماعة الإخوان المسلمين تحديات مشابهة؛
إذ لم يعد الخطاب المزدوج بين الدعوي والسياسي كافياً لإدارة دولة معقّدة تتطلب مؤسسات محايدة وقواعد تنافس عادلة.
وفي السياق اليمني يبرز مثال حزب الإصلاح اليمني
حيث تتقاطع حسابات الواقع المحلي مع إرث الارتباطات الفكرية.
حتى مع محاولات إعادة التموضع
يبقى الرهان على خطاب ديني-سياسي أحادي محفوفاً بالمخاطر في بيئة اجتماعية تتجه ببطء ولكن بثبات نحو طلب الشراكة لا الوصاية والتعدد لا الاصطفاف القسري.
غير أن الدرس لا يخص جماعة بعينها
بل يمتد إلى كل سلطةٍ تميل"في لحظة قوة"إلى تضييق المجال العام وبناء إدارة الدولة على معيار الولاء قبل الكفاءة
والسعي إلى توحيد الوعي في قالبٍ أيديولوجي واحد.
مثل هذا المسار قد يمنح استقراراً شكلياً على المدى القصير
لكنه يراكم هشاشة عميقة:
يضعف الثقة
ويقلّص مساحات النقد
ويحوّل التنوع الطبيعي إلى توترٍ مكتوم سرعان ما يظهر عند أول اختبار جاد.
المسألة هنا ليست دينية بقدر ما هي سياسية وإدارية:
هل يمكن لمشروعٍ يخلط بين
“الشرعية الإيمانية” و“السلطة التنفيذية”
أن يدير مجتمعاً متنوعاً دون أن ينزلق إلى الإقصاء؟
التجربة تقول إن هذا الخلط يضعف كليهما:
يسيّس المقدّس ويُقدّس السياسة
فتضيق آليات التصحيح وتتعطل.
ما يتقدّم اليوم ليس نقيض الدين بل نقيض الاحتكار.
المجتمعات تميل إلى نماذج حكمٍ تُبنى على التعاقد
والمساءلة وتكافؤ الفرص واحترام التعدد.
وفي هذا الإطار يصبح الدين رصيداً أخلاقياً جامعاً
لا أداةً للفرز أو الإلزام.
وأي سلطة تُصرّ على احتكار التمثيل باسم السماء
تُقصي نفسها تدريجياً من معادلة الاستقرار
مهما وفّرت لها اللحظة السياسية من فرص.
الخلاصة الحديث
أن الأحادية"مهما بدت قوية في لحظةٍ ما"هشّة بطبيعتها؛
لأنها تصطدم بسنن التنوع والاختلاف.
أما النهج القادر على البقاء فهو ذاك الذي يوسّع المجال العام
ويقبل التعدد ويحوّل الاختلاف من مصدر تهديد إلى مصدر قوة.
هنا فقط تستقر الدول وتتعافى المجتمعات
وتُصان القيم دون أن تُستغل.
✍️ * أ . حميد القهالي
كاتب وباحث يمني