حين يقود الغائبون… أمثال الحوثي والزبيدي؟
في زمن تدار فيه الحروب بالصورة قبل السلاح، وبالكلمة قبل الرصاصة، يصبح الغياب أكثر فداحة من الهزيمة. ليس لأن الظهور بحد ذاته بطولة، بل لأن من يطلب قيادة الناس لا يملك ترف الاختباء.
كيف يمكن لشخص مثل عيدروس الزبيدي أن يقنع جمهورا منهكا بأنه يحمل مشروع خلاص، وهو عاجز حتى عن مخاطبتهم عبر شاشة؟ وكيف يمكن لجمهور كامل أن يستمر في التصفيق لزعيم لا يراه، ولا يسمع صوته، ولا يلمس أثرا حقيقيا لوجوده؟.
المفارقة المؤلمة أن المشهد لا يختلف كثيرا عن أولئك الذين يسيرون خلف عبد الملك الحوثي، المختبئ في الظل، يطل عليهم من خلف ستار، يحركهم بخطابات مسجلة، بينما هم يدفعون الثمن دما وجوعا وخوفا. هنا في صنعاء،
وهناك في عدن، تتكرر الحكاية ذاتها: قادة غائبون، وجماهير حاضرة تدفع الفاتورة كاملة!.
ليست المشكلة فقط في القادة، بل في هذه العلاقة المختلة بين الزعيم والتابع، حين يتحول الإنسان إلى جزء من “قطيع”، يفقد تدريجيا قدرته على السؤال، على الشك، على الرفض، يصبح مستعدا لتبرير كل شيء: الفقر قدر، انعدام الأمن مؤامرة، انهيار الخدمات تضحية وطنية.
وهكذا تغسل العقول ببطء، حتى يصبح البؤس أمرا طبيعيا، بل ومبررا..
لو توقف هؤلاء قليلا ونظروا إلى وجوههم في المرآة، لرأوا الحقيقة القاسية: تعب متراكم، فقر يحفر خطوطه في الملامح، خوف يسكن العيون. هذه ليست “آثار صمود”، بل نتائج مباشرة لقيادات صنعت الأزمات، ثم قدمت نفسها كحلٍ لها..
السؤال الذي يجب أن يطرح ليس: من مع من؟ بل: لماذا؟ لماذا يخرج الناس دفاعا عن أشخاص لم يقدموا لهم سوى المزيد من المعاناة؟
لماذا لا تتحول هذه الحشود إلى قوة ضغط حقيقية تطالب بالأمن، بالعدالة، بمحاسبة القتلة، بملاحقة عصابات الموت التي مزقت المجتمع؟.
الفرق بين شعب حي وشعب مستسلِم، ليس في عدد أفراده، بل في وعيه. حين يدرك الناس أن كرامتهم أهم من شعارات القادة، وأن حياتهم ليست وقودا لمشاريع سياسية غامضة، عندها فقط يبدأ التغيير الحقيقي..
لن يتغير شيء ما دام القائد يقدس، والفشل يبرر، والضحية تلام. التغيير يبدأ من لحظة بسيطة لكنها حاسمة: أن يسأل الإنسان نفسه بصدق… هل أنا أعي أم مجرد رقم يستخدم ثم ينسى؟.