إنضمام اليمن إلى مجلس التعاون الخليجي.. بين الواقع والطموح
الترابط الاقتصادي بين اليمن ودول الخليج العربي تعززه الجغرافيا، وتمايزه الطبوغرافيا، وتدعمه الديموغرافيا، وله عمقه التأريخي الممتد لآلاف السنين حتى العصر الحديث.
ويمكن القول إن اليمن يمثل العمق الاستراتيجي لدول الخليج العربي لما يتميز به من الكثافة السكانية وحجم قوة العمل التي تحتاجها الاقتصادات الخليجية،
إضافة إلى موقعه الاستراتيجي المطل على أحد أهم ممرات التجارة الملاحية العالمية، وامتداد حدوده الجغرافية من البحر الأحمر حتى البحر العربي.
ويزداد الدور الجيوستراتيجي لليمن في ضوء الأحداث الراهنة في المنطقة، والتي تجعل من اليمن رافعة هامة في استتباب الأمن والاستقرار في شبه الجزيرة العربية.
ورغم ذلك، فإن الوفورات الإيجابية للانتعاش الاقتصادي السائد في دول الجوار خلال العقود الماضية كانت عند حدها الأدنى،
كما أن جهود اندماج اليمن في إطار مجلس التعاون الخليجي ظلّت موضوعًا مغيبًا عن اهتمامات دول المجلس، واقتصرت على العضوية في مؤسسات هامشية وبعيدة عن المجال الاقتصادي والتجاري والاستثماري.
فمنذ عام 2001، تمكن اليمن من الانضمام إلى عدد من المجالس الخليجية المتخصصة، مثل: مكتب التربية العربي، ومجلس وزراء الصحة، ومجلس وزراء العمل،
بينما لم يتمكن من الانضمام إلى عدد من اللجان والمجالس ذات العلاقة بالتعاون في مجالات الكهرباء والاتصالات والتعاون الاقتصادي وغيرها.
وكان لليمن محاولة جادة للانضمام إلى مجلس التعاون الخليجي في عام 2005، بناءً على تفاهمات بين القيادات السياسية في اليمن والمملكة العربية السعودية،
حيث قدم اليمن الخطة العشرية (2006–2015) لتحسين مستوى التنمية البشرية في اليمن إلى قيادة السعودية، وتضمنت توجهات استراتيجية، أهمها:
تأهيل تنموي شامل لتحسين مستوى التنمية البشرية في اليمن إلى المستوى السائد في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي بحلول عام 2015.
تأهيل الاقتصاد اليمني بهدف إيجاد مناخ وبيئة مواتية لتشجيع الاستثمار المحلي والخليجي والدولي.
وضع آلية مشتركة بين اليمن ودول مجلس التعاون لوضع الخطوات الملائمة لانضمام اليمن إلى المجلس ومؤسساته ومنظماته المتخصصة.
كما أن منطلقات الخطة العشرية أكدت على أن اليمن يواجه تحديات وصعوبات كبيرة تعيقه عن إمكانية تحسين مستوى التنمية البشرية، وأن اندماج الاقتصاد اليمني مع اقتصادات دول مجلس التعاون يمثل فرصة وقيمة مضافة للتنمية والاستقرار في المنطقة، وليس عبئًا عليها.
وتضمنت الخطة برنامجًا استثماريًا تصل تكلفته إلى قرابة 48 مليار دولار، كان نصيب قطاعات التعليم (العام والفني والعالي) والصحة حوالي 75% من تكلفة البرنامج، وتوزع الباقي على قطاعات الطرقات والكهرباء والمياه والصرف الصحي والزراعة والأسماك.
وصدر بيان قمة دول مجلس التعاون الخليجي، نهاية عام 2005، ليؤكد على "دعم تمويل المشاريع التنموية في اليمن، والتوجه لعقد مؤتمر لاستكشاف فرص الاستثمار في الجمهورية اليمنية".
ومتابعةً لذلك، أقر وزراء الخارجية لدول المجلس، وبمشاركة وزير الخارجية اليمني، تشكيل اللجنة الفنية اليمنية الخليجية المشتركة؛ يرأس الجانب اليمني نائب وزير التخطيط والتعاون الدولي، ويرأس الجانب الخليجي الأمين العام المساعد لمجلس التعاون.
وتشمل في عضويتها ممثلين من وزارات المالية ومن صناديق ومؤسسات التنمية في دول المجلس، إضافة إلى ممثلين من الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي والبنك الإسلامي للتنمية.
وتحددت مهام اللجنة في القيام بدراسة الاحتياجات التنموية لليمن للفترة (2006–2015م)، ولهذا الغرض تقوم بالإعداد لمؤتمرات المانحين، ومتابعة تنفيذ المشاريع التي تم التعهد بتمويلها. وتجتمع اللجنة بصفة دورية بالتناوب بين الرياض وصنعاء.
وخلال الفترة (2006–2014)، مثلت اللجنة الآلية المناسبة لمعالجة التحديات والمعوقات التي تواجه عملية تخصيص تعهدات المانحين من جانب، وتسريع السحوبات لتنفيذ المشاريع الممولة من دول المجلس من جانب آخر.
كما ساهمت اللجنة في اقتراح الحلول المناسبة لاستيعاب القروض والمساعدات الخارجية، وتسريع الصرف على المشاريع المتفق عليها.
وبالمقابل، فإن اللجنة أخفقت في تقديم التصورات لتأهيل الاقتصاد اليمني للاندماج في اقتصادات دول مجلس التعاون، رغم الإصرار المتكرر للجانب اليمني على ذلك.
بل إن الجانب الخليجي كان يعترض على مناقشة الأمر بحجة عدم وجود قرارات أو توجيهات عليا تنص على ذلك.
كما أن تمثيل دول مجلس التعاون في اللجنة لم يكن من المستويات الإدارية العليا أو من متخذي القرار في مؤسساتهم، مما أثر على نوعية القضايا المطروحة للنقاش وعلى مستوى تنفيذ قرارات وتوصيات اللجنة.
ومع اندلاع الحرب المدمرة لأكثر من 10 سنوات، ودخول دول التحالف "السعودية والإمارات" طرفًا فيها، ازدادت هوة التباعد اليمني الخليجي،
واتسعت فجوة التنمية بين الاقتصاد اليمني واقتصادات دول الخليج، مما يجعل فرص التقارب والاندماج صعبة المنال. ناهيك أن القرار السياسي الخليجي غير وارد في هذا الأمر،
وقد يبرر البعض أن صعوبة انضمام اليمن إلى مجلس التعاون تعود إلى طبيعة النظام السياسي المختلف عن الجيران، وإلى الاضطرابات السياسية المتكررة، وإلى ندرة الموارد التي تجعله بعيدًا عن مستوى النمو الاقتصادي والاجتماعي السائد في دول الخليج.
وإجمالًا، فإن تمتين العلاقات والتكامل الاقتصادي بين اليمن ودول مجلس التعاون الخليجي، في المستقبل المنظور، ينطلق من عددٍ من المسلمات:
أولها أن اليمن يمثل عمقًا استراتيجيًا لدول مجلس التعاون الخليجي، بما يمثله موقعه الجغرافي المطل على مضيق باب المندب، والذي تمر عبره معظم خطوط الملاحة البحرية التي تربط دول الخليج بالمنطقة العربية ودول القارة الأوروبية.
وثانيها: أن اليمن يُعد سوقًا واعدة بحجمه السكاني (أكثر من 35 مليون نسمة)، ومصدرًا مستدامًا للقوى العاملة المطلوبة في اقتصادات الخليج، وركيزة أساسية في تحقيق الأمن الإقليمي والدولي.
وثالثها: أن تكامل واندماج الاقتصاد اليمني مع اقتصادات دول الخليج العربي يمثل "فرصة" وقيمة مضافة للتنمية والاستقرار في المنطقة، وليس "عبئًا" عليها.
ورابع تلك المسلمات يتطلب جهودًا فائقة يبذلها الجانب اليمني، وتشمل توافق أطراف الحرب والصراع على الانتقال إلى مرحلة السلم والاستقرار لليمن الجمهوري الموحد،
واعتماد برنامج تنموي شامل لإعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي، ووضع الأسس المتينة لإعادة بناء الدولة ومؤسساتها، وتنفيذ إصلاحات جوهرية في المجالين الاقتصادي والإداري، وإيجاد بيئة حاضنة وملائمة للاستثمار الوطني والخارجي.
✍️ أ.د. مطهر عبدالعزيز العباسي
أستاذ اقتصاد في جامعة صنعاء