العيد في زمن الحرب.. كيف تبدلت حياة اليمنيين؟
في اليمن كان عيد الأضحى مناسبة تتجاوز معنى العيد الديني، لتصبح موعداً لعودة الروح إلى الناس ..
وكانت القرى والمدن، تمتلئ بالحياة قبل أيام من العيد، حيث يعود المسافرون من الغربة، وتفتح البيوت أبوابها للجميع، وتلتقي العائلات الكبيرة حول موائد وأحدة، وتختفي كثيراً من الفوارق بين الناس.
وكان الفقير يشعر انه جزء من فرحة الجميع، وكانت المودة والتراحم حاضرة في تفاصيل صغيرة يعرفها اليمنيون جيداً، من تبادل الزيارات إلى توزيع اللحوم والهدايا، ومجالس العيد التي تجمع الكبير والصغير في صورة إجتماعية دافئة لا تشبه إلا اليمن..
وكانت بهجة العيد تظهر في الأسواق الشعبية، وفي إزدحام الطرقات المؤدية إلى القرى، وفي أصوات الأطفال وهم يرتدون ملابسهم الجديدة، وفي رائحة الأضاحي والخبز اليمني، التي كانت تملأ الأحياء..
وكان الناس رغم بساطة حياتهم يشعرون بالرضا والتقارب، ولم تكن المادة هي التي تصنع الفرح، بل العلاقات الإنسانية التي حافظت لسنوات طويلة على روح المجتمع اليمني، وجعلت من العيد مناسبة للتسامح وصلة الرحم، وتجديد المحبة بين الناس.
لكن الحرب غيرت أشياء كثيرة في حياة اليمنيين، وبدلت شكل الأعياد كما بدلت ملامح البلاد نفسها ..
فالعائلات التي كانت تجتمع، تفرقت بين الداخل والخارج، وبين النزوح والغربة، وبين المدن التي قطعتها خطوط الصراع، ولم يعد الجميع قادراً على العودة إلى قريته، أو مدينته كما في السابق.
كما أن الظروف الاقتصادية القاسية جعلت كثيراً من الناس يعيشون العيد بقلق وحزن أكثر من الفرح، بعدما أصبحت متطلبات الحياة اليومية أثقل من قدرة الكثير من الأسر اليمنية..
ومع اتساع الغربة، وتشتت العائلات، تحولت وسائل التواصل الإجتماعي إلى البديل الأكثر حضوراً في تبادل التهاني والسؤال عن الأقارب والأصدقاء، بعدما كانت المجالس والزيارات المباشرة هي اللغة الحقيقية للعيد.
وأصبحت الرسائل والصور والمكالمات القصيرة تحمل مشاعر الإشتياق، التي لم تعد تكفي لتعويض دفء اللقاءات القديمة..
وصار كثير من اليمنيين يحتفلون وهم بعيدون عن أهلهم، يحمل كل وأحد منهم همومه الخاصة، وظروفه الصعبة التي فرضتها سنوات الحرب الطويلة.
ورغم كل ما تغير، ما زال اليمنيون يحتفظون في داخلهم بصورة العيد القديم، ويحاولون التمسك بما تبقى من معانيه الجميلة.
فالعيد بالنسبة لهم ليس مجرد مناسبة عابرة، بل ذاكرة مشتركة تربطهم بسنوات الأمان والأستقرار، وبالعلاقات الإنسانية التي كانت تمنحهم شعوراً عميقاً بالطمأنينة.
وربما يبقى امل اليمنيين الحقيقي أن يأتي يوم تعود فيه الأعياد كما كانت، وتعود معها البيوت الممتلئة بالناس، والقلوب التي كانت تعرف كيف تفرح رغم كل شيء..
* سفير بوزارة الخارجية