هل يصبح السلام تهديداً لمصالح المنتفعين من الحرب؟
لم يكن التصعيد العسكري الأخير وما رافقه من قصف لمطار صنعاء وهبوط الطائرة الإيرانية في مطار الحديدة، مجرد تطورات ميدانية عابرة، بل إعاد طرح أسئلة عميقة حول مستقبل السلام في اليمن..
ومدى قدرة الجهود الاقليمية والدولية على منع البلاد من الإنزلاق مجدداً نحو دوامة الحرب..
فاليمن الذي استنزفته سنوات طويلة من الصراع لم يعد يحتمل المزيد من الدمار..
بينما لا يزال ملايين اليمنيين يتطلعون الى تسوية سياسية تنهي معاناتهم، وتعيد للدولة حضورها، ولمؤسساتها دورها، وللمواطن حقه في الأمن والاستقرار.
وفي المقابل يبرز واقع سياسي لا يمكن تجاهله، يتمثل في وجود قوى وشخصيات بنت نفوذها ومصالحها على أستمرار الأزمة، حتى أصبحت الحرب بالنسبة لها وسيلة للبقاء ومصدراً للنفوذ والتمويل، ولم تعد ترى في السلام فرصة لانقاذ اليمن بل تهديداً مباشراً لمصالحها.
ولهذا تتراجع الأصوات الوطنية المستقلة التي تدعو الى الحوار والتوافق، لصالح خطاب التحريض والإستقطاب، الذي يكرس الإنقسام، ويغذي أستمرار الصراع، ويمنع الوصول الى حلول حقيقية تضع مصلحة الوطن فوق الحسابات الضيقة.
وتثير التطورات العسكرية الأخيرة، مخاوف مشروعة من أن تؤدي إلى تعقيد مسار السلام، إذا لم يتم أحتواؤها بسرعة، فكل تصعيد جديد يمنح دعاة الحرب فرصة لإعادة انتاج خطاب المواجهة، ويضعف الثقة بين الأطراف، ويؤخر الجهود السياسية التي بذلت خلال الفترة الماضية.
كما أن المواطن اليمني، الذي دفع الثمن الأكبر طوال سنوات الحرب، يدرك أن أي عودة للتصعيد لن تنتج سوى مزيد من المعاناة والانهيار الاقتصادي والإنساني، بينما سيواصل المنتفعون من الأزمة البحث عن مكاسب جديدة على حساب مستقبل اليمنيين.
ولا يمكن فصل مستقبل اليمن، عن أمن المملكة العربية السعودية، التي أستثمرت خلال السنوات الماضية جهوداً كبيرة لدعم التهدئة، وتهيئة الظروف للوصول الى حل سياسي شامل.
فمن مصلحة السعودية، وجود يمن مستقر قادر على حماية حدوده، وإستعادة مؤسساته، وبناء علاقات تعاون قائمة على الأحترام والمصالح المشتركة.
غير أن أستمرار نفوذ القوى الإنتهازية التي تستفيد من أطالة أمد الصراع، قد يجعل أمن المنطقة ومصالحها عرضة لمزيد من المخاطر، وهو ما يفرض دعماً أكبر للقوى الوطنية المؤمنة بالسلام، والدولة بعيداً عن الحسابات التي تغذي أستمرار الأزمة..
ويبقى السؤال الأهم هل يستطيع اليمن الخروج من دائرة الإنتهازية السياسية، وتجار الحروب، أم سيظل رهينة لمن يرون في السلام خسارة لمصالحهم؟
ان الإجابة لا تتوقف على موازين القوة العسكرية وحدها، بل على وجود إرادة وطنية صادقة تضع مصلحة اليمن فوق كل إعتبار، وتدرك أن السلام ليس تنازلاً، بل هو الطريق الوحيد لإنقاذ الدولة وحماية المجتمع وصون أمن المنطقة.
فكل يوم يتأخر فيه السلام، تتسع دائرة الخسائر ويزداد نفوذ المستفيدين من الحرب، بينما يخسر اليمنيون فرصة جديدة لإستعادة وطن يستحق الحياة والأستقرار..
* سفير بوزارة الخارجية