الديانة الحوثية
الدين رؤية شاملة للعالم (Weltanschauung). وغالباً ما تكون تلك الرؤية منقطعة، بصورة شاملة، عن الواقع الثقافي الذي تنشأ فيه.
كيف يرى الناس السياسة؟ وكيف ينظرون إلى العمل؟ وكيف يتخيلون وظيفة المرأة وطبيعتها؟ وما العادل وغير العادل في البناء الاجتماعي الهرمي؟ وما الذي يجوز التفكير فيه؟ ومن هو الآخر، وما الموقف منه؟ وما المقدس وما المدنس؟
وما صورة النبي، وكيف تبدو صورة الشيطان؟ تتراكم الإجابات عن هذه الأسئلة في شكل بناء ثقافي يتخلق عبر التاريخ والتجربة واللغة.
وصحيح أن الثقافة، في جوهرها، مركب غير مستقر، إلا أن الاجتماع البشري يتواطأ، في نهاية المطاف، على شكل من أشكال المعرفة الشاملة يتخذ هيئة ديانة.
وتكون مهمة هذه الديانة، في المقام الأول، تثبيت المعادلة السياسية تجنباً للفوضى، وتعزيز وضع اجتماعي معين للحفاظ على الديناميكية التي نشأت في سياق تاريخي.
هذا التقديم مهم للولوج إلى الفكرة التي نسوقها أمام القارئ: الحوثية دين جديد، بالمعنى الشامل. وهذا هو سر أزمتها مع المجتمع اليمني: القطيعة الشاملة.
اليمن، كثقافة، سابق على الأديان الكلاسيكية. ففي عمله المثير "ديانة اليمن السرية"، أعاد الباحث اليمني أحمد العرامي إنتاج نظام ديني قديم انطلاقاً من الشفرات الثقافية واللغوية المعاصرة.
وتتمتع الثقافة اليمنية، مثل أي ثقافة أصيلة ومركبة، بالاستمرارية والقدرة على التخفي والجريان تحت السطح، لذا يمكن إعادة إنتاجها واستخراجها من رموزها وشفراتها.
واليمن الثقافي مختلف جذرياً عن اليمن الحوثي؛ فهما نظامان من "السوفت وير" لا يمكن دمجهما معاً والادعاء أن الناتج مركب مستقر.
الحوثية ليست ثورة داخل السياسة، بل انقلاب شامل على الثقافة، وعلى رؤية اليمنيين للعالم. وأول ما فعلته الحوثية أنها وضعت سقفاً للتاريخ اليمني، وجمدته عند حدود القرن السابع الميلادي. والتحديد هنا ليس دعائياً، بل معرفي وأكاديمي؛
إذ استُبعد التاريخ اليمني القديم والحديث من كتب التعليم والدراسة الأكاديمية، وأُزيل من مناهج التربية، أي انتُزع من الهوية. وتقول أهزوجة حوثية شهيرة: "على حضارة سبأ نرفع شعار الحسين".
وبدلاً من الأساطير والأبطال الذين يشكلون الوقود الأحفوري لأي ثقافة شعبية أصيلة، جاءت الحوثية بأساطيرها وأبطالها. ويحتفل الحوثيون سنوياً بنحو عشرين عيداً وطنياً، لا يعني اليمني الفرد أو اليمني المجموع منها سوى مولد النبي محمد،
أما سائر الأعياد فلا تمت إلى وجدانه بصلة. وكما حظروا الاحتفال بعيد الثورة اليمنية، فعلوا الشيء نفسه مع صلاة التراويح. إنه احتلال كامل للنظام الثقافي اليمني، وسعي إلى إبادته.
الحوثية، في جوهرها، حركة عنصرية استعلائية تتناقض مع خيال اليمنيين حول الحق والعدل، ذلك الخيال الذي ورثوه عن دياناتهم السابقة، ثم طوروه داخل الإسلام. ويفتي الشيخ الحوثي عبر الإذاعة بأن رحم الهاشمية محرم على أهل اليمن، وأن ذلك امتياز خص الله به سلالة من الناس.
كما تؤكد كتب التربية والتعليم الحوثية أن النقاء الجيني امتياز إلهي لا يمكن تفسيره بشرياً. وشيئاً فشيئاً، صار اليمني هو الإنسان الأدنى.
وأصبح مقتنعاً بأن جيناته إشكالية، وأن الجينة الفائقة للحوثية وأخواتها تدبير إلهي يصب في مصلحته، وما عليه سوى الخضوع. ويطلق على هذا الخضوع اسماً مهذباً: الموالاة.
ويُقدَّم النبي محمد بوصفه جد الحوثيين ونبي اليمنيين. ويُطلب من اليمنيين أن يراجعوا إيمانهم بالنبي محمد ليشمل التسليم بإمامة سلالته من بعده، والإمامة هنا بمعنى "استكمال النبوة".
وينفذ الحوثيون عملية إصلاح ثقافي عميقة وشاملة، شعارها: "اللهم إنا نواليك، ونوالي من أمرتنا بموالاته، سيدي ومولاي عبد الملك".
ويُقدَّم الحوثي بوصفه تمثيلاً مباشراً للإرادة الإلهية، وتقع على عاتقه مهمتان: الأولى احتكار تأويل الكتاب المقدس، القرآن، والثانية تدبير شأن المعاد.
وفهم اليمنيون، بعد وقت قصير، أن المراد من فكرة الموالاة أو الولاية أمران: أن العقل اليمني غير قادر على إدراك مراد الله بمفرده، وأن المجتمع اليمني غير قادر على تدبير شؤونه السياسية استناداً إلى رجاله وثقافته.
وهذا الإنسان الأدنى، فرداً وجماعة، بحاجة إلى راعٍ، ولو على رغم أنفه.
وبعد مواجهات عسكرية يائسة، جاء الرد ثقافياً؛ إذ بادر اليمنيون إلى إحياء خطهم القديم، "المسند"، واستخرجوا أبطالهم الشعبيين. ونشطت الثقافة المحلية عبر وسائطها التعبيرية المختلفة، بما في ذلك الشعر الشعبي.
ولم تنتج هويتها وحسب، بل جسدت الفاشية الحوثية في صورة ثلاثية الأبعاد، فأمكن معاينتها وتخيلها. وأصبح الناس يدركون، على نحو متزايد، أن الحوثية ديانة غير مسالمة، وأنها لا تعيش إلا على إبادة الآخر ثقافياً.
الحوثية رؤية شاملة للعالم، تتناقض مع رؤية اليمنيين وخيالهم. فقد احتكرت السياسة، والثقافة، والاقتصاد، والطهارة، والنقاء العرقي، وقدمت نفسها بوابةً إجبارية إلى السماء.
وحتى ما بدا بسيطاً وعفوياً في تدين اليمنيين، كالإيمان بالله ورسوله، أصبح منقوصاً وغير كافٍ في الرؤية الحوثية.
ويتوجب على اليمني أن يستكمل إيمانه المعلق والناقص من خلال الولاء غير المشروط للحوثي. وتربط مناهج المدرسة بين الحوثي والنبي محمد، وتربط مناهج الجامعة بين الحوثي والإله، وتخير الدعاية الثقافية أهل اليمن بين الحوثي والشتات.
إنه انقلاب شامل؛ ديانة مكتملة الأركان تريد أن تستقر على أنقاض ثقافة عميقة ومعقدة تشكلت داخل اللغة والرموز والتاريخ. وهو ما يعني أن الحوثية ستبقى مركباً غير مستقر، ودالة ثقافية مغلقة، وغير قابلة للامتزاج مع نظام ثقافي أقدم منها، وأكثر تعقيداً وجاذبية.
ومن شروط الولي، في التعريف الحوثي للإمامة، أن يكون قادراً على المبادرة إلى السيف، كما هو قادر على الإمساك بالفتوى.
لكن الفتوى، أي الديانة، عجزت، وبقي السيف في يد الحوثي. فمنذ صيف عام 1995، حين أبلغ صالح جنراله السلالي الشهير المتوكل أنه ينوي تأسيس جماعة زيدية مسلحة، والحوثي يمسك بالسيف.
ثم اكتشفت الزيدية نفسها، مذهباً وقبيلةً، الخديعة. فالديانة الحوثية بالغة العنصرية والقسوة، وتتطلب استسلاماً شاملاً، وتسليماً لا رجعة فيه. وهي حقيقة جعلت الحوثية تبدو غريبة حتى على المذهب نفسه، وعلى خطابه الفكري والفلسفي.
ولا نبالغ إذا قلنا إن الزيدية ذاهبة الآن، كردة فعل على الحوثية، إلى تفكيك نفسها مذهباً، لمصلحة إعادة اكتشاف يمنيتها، وهويتها، وحتى ديانتها الأقدم.
* كاتب وروائي وطبيب قلب يمني