حين تُسرق الذاكرة: الأرشيف بوصفه ساحة صراع
ماذا يبقى من أمةٍ حين يُسرق أرشيفها؟ هذا ليس سؤالاً افتراضياً، بل هو الجرح المفتوح في قلب التاريخ الحديث لشعوب بأكملها.
سرقة الأرشيف ليست مجرد عملية سلبٍ لوثائق وصور، بل هي فعل إبادة رمزي، يُطلق عليه أحياناً مصطلح Memoricide، أو «إبادة الذاكرة».
إنها استراتيجية مدروسة تسير جنباً إلى جنب مع الإبادة المادية، هدفها النهائي هو ترك شعبٍ بلا جذور، بلا أدلة مادية على وجوده، ليتحول إلى مجرد حاشية باهتة في تاريخ يكتبه المنتصر.
لطالما كانت السيطرة على الأرشيف أداةً مركزية في المشروع الاستعماري؛ فمن يملك الماضي، يملك القدرة على تشكيل الحاضر وتوجيه المستقبل. لكن الذاكرة، بطبيعتها المراوغة والعنيدة، ترفض الموت.
وكما يبحث الماء دائماً عن شقوق ليتدفق منها، بدأت الذاكرة المهددة اليوم تبني لنفسها وطناً بديلاً، وطناً لا مادياً في فضاء لا تصل إليه أيادي اللصوص بسهولة: الفضاء الرقمي.
لقد فكّك مفكرون مثل الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو أسطورة «الأرشيف المحايد»، وكشفوا كيف أنه في حقيقته نظامٌ للسلطة، يحدد ما يجب تذكره وما يجب نسيانه، من له الحق في الكلام ومن يُحكم عليه بالصمت.
الأرشيف، بهذا المعنى، هو ساحة معركة رمزية. في السياق الاستعماري، كان نهب الأرشيفات الوطنية للشعوب المستعمَرة، كما حدث مع الأرشيف الفلسطيني الذي استولت عليه إسرائيل في بيروت عام 1982،
أو الأرشيفات الجزائرية التي نُقلت إلى فرنسا، جزءاً لا يتجزأ من محاولة تفكيك الهوية الوطنية ومحو الشخصية القانونية والسياسية لتلك الشعوب.
حين يُغيَّب الأرشيف الرسمي، يُصبح التاريخ قصة مبتورة، ويُصبح الدفاع عن حق الوجود مهمة شاقة تتطلب البحث عن دليل في غياهب النسيان القسري، وتتحول الحقيقة إلى مجرد «وجهة نظر».
هذا الأرشيف الجديد لا يُحفظ في قبو يمكن نهبه، أو حرقه، بل يسكن في فضاء سحابي لا حدود له، متشظٍ وموزع حول العالم، تماماً مثل أهله.
في مواجهة هذا الفراغ المخطط له، وفي غياب الوثيقة الرسمية، نهض الأدب ليقوم بمهمة تاريخية جليلة: مهمة «الأرشفة المضادة». تحولت الرواية إلى ذاكرة بديلة، وإلى أرشيف شعبي يحفظ ما سعت القوة لمَحوه.
لم تكن رواية «التغريبة الفلسطينية» مجرد عمل درامي، بل كانت أرشيفاً شفوياً بصرياً لرحلة الشتات.
وفي ثلاثية «غرناطة» لرضوى عاشور، لم تكن الكاتبة تؤرخ لسقوط الأندلس فحسب، بل كانت تبني أرشيفاً من المشاعر والأحاسيس واليوميات المنسية لأولئك الذين طُردوا من التاريخ الرسمي،
لتؤكد أن التاريخ ليس فقط سجل المعارك والملوك، بل هو أيضاً رائحة الخبز في بيت مهدوم وهمس العشاق على شرفة مصادرة.
وكذلك فعل إلياس خوري في «باب الشمس»، حيث تحولت شهادات اللاجئين الشفوية إلى ملحمة روائية، أرشيف من لحم ودم يعيد بناء الذاكرة الفلسطينية قطعة قطعة.
كان الأدب هو السلاح الأخير، الحصن الذي تلجأ إليه الذاكرة كلما ضاقت بها الأرض، ليقول للعالم: «قد لا نملك الوثيقة، لكننا نملك الحكاية».
واليوم، نشهد تحولاً جذرياً وعميقاً في هذه المعركة الوجودية. لم يعد الأدب وحده في الميدان. لقد دخل الفضاء الرقمي كحليف استراتيجي، لا ليستعيد الذاكرة فحسب، بل ليعيد بناءها وتشكيلها في صورة جديدة أكثر قوة وديناميكية ومقاومة.
مبادرات مثل: «الأرشيف الرقمي الفلسطيني»، مشروع، ومشروع «خرائط فلسطين المفتوحة»، ومشاريع لا حصر لها لتوثيق التاريخ الشفوي، لا تقوم بمجرد «رقمنة» ما هو موجود، بل هي تخلق «أرشيفاً شعبياً» جماعياً، لا مركزياً، ومتاحاً للجميع.
كل صورة قديمة يرفعها حفيد على منصات التواصل، وكل شهادة يسجلها ناجٍ من نكبة، وكل وثيقة يتم مسحها ضوئياً في الشتات، تصبح لبنة في صرح ذاكرة عصية على التدمير.
هذا الأرشيف الجديد لا يُحفظ في قبو يمكن نهبه، أو حرقه، بل يسكن في فضاء سحابي لا حدود له، متشظٍ وموزع حول العالم، تماماً مثل أهله.
إن ما يفعله هذا «الوطن الرقمي» يتجاوز فعل الحفظ السلبي. إنه فعل «بناء» و»مقاومة» نشيط. حين تتحول الخرائط القديمة الممزقة إلى خرائط رقمية تفاعلية تتيح للجيل الجديد التجول افتراضياً في قرى أجدادهم المدمرة،
وحين تُرفق بالصور الصامتة أسماء أصحابها وقصصهم عبر روابط تشعبية، وحين يصبح الأدب نفسه رقمياً وتفاعلياً، فإننا لا نستعيد الماضي فقط، بل نمنحه حياة جديدة في الحاضر.
نحن لا نقول «لقد كنا هنا» فحسب، بل نؤكد «نحن ما زلنا هنا، وهذه هي أدلتنا، وهذه هي روايتنا المتجددة».
إنه يحول الذاكرة من مجرد إرث يُستقبل بسلبية إلى مشروع جماعي يشارك في بنائه الجميع، محطماً بذلك احتكار النخب والمؤسسات لعملية كتابة التاريخ.
إن الأرشيف الرقمي والأدب الذي يتفاعل معه، ليسا مجرد استعادة حنينية (نوستالجية) لماضٍ فُقد، بل هما فعل تأسيس لهوية مستقبلية واثقة وقادرة على الصمود.
إنه الإعلان بأن الذاكرة التي حاولوا دفنها قد انبعثت من جديد، لا كشبح من الماضي يطاردنا، بل كقوة حية تشكل وعي الأجيال القادمة، وتسلحهم بالمعرفة والحجة.
لقد سرقوا الأوراق، لكنهم لم ولن يتمكنوا من سرقة الروح التي تسكنها. تلك الروح التي وجدت اليوم في الفضاء الرقمي وطناً لا يُحتل، وأرشيفاً لا يُنهب، وحكاية لا تموت.
آمال صبحي
كاتبة سورية