من ثقافة اللوم إلى ثقافة المسؤولية
في أوقات الأزمات الطويلة، تميل المجتمعات إلى البحث عن جهة تُحمّلها كل ما جرى ويجري. يصبح اللوم عادة يومية، ولغة سهلة، وملاذًا نفسيًا يخفف عن الناس ثقل العجز.
نلوم السلطة، ونلوم المجتمع، ونلوم الماضي، ونلوم الخارج، ونلوم الظروف، ونلوم بعضنا بعضًا. وربما يكون في بعض هذا اللوم قدر من الحقيقة، فالأزمات لا تولد من فراغ، ولا يصنعها الأفراد وحدهم.
لكن المشكلة تبدأ حين يتحول اللوم من محاولة للفهم إلى ثقافة عامة تُعفينا من السؤال الأهم: ما الذي نستطيع فعله؟
ثقافة اللوم تُريح الإنسان مؤقتًا، لكنها لا تبني شيئًا. تمنحه شعورًا بأنه على صواب، وأن الخطأ كله في مكان آخر. ومع الوقت، يصبح اللوم بديلاً عن التفكير، والشكوى بديلاً عن العمل، والغضب بديلاً عن المبادرة.
وهكذا تتسع المسافة بين ما نريده وما نفعله، وبين ما ننتقده في الآخرين وما نمارسه في حياتنا اليومية.
أما ثقافة المسؤولية فلا تعني تبرئة المخطئ، ولا مطالبة الناس بالصمت على الظلم، ولا تجاهل الأسباب العميقة للأزمات. المسؤولية لا تلغي المساءلة، بل تجعلها أكثر نضجًا.
إنها تسأل: من أخطأ؟ لكنها لا تتوقف هناك. تسأل أيضًا: كيف نمنع تكرار الخطأ؟ وما دورنا، نحن الأفراد والمجتمع، في تغيير السلوك الذي يسمح للخطأ أن يستمر؟
الفارق بين اللوم والمسؤولية أن اللوم ينظر إلى الخلف فقط، أما المسؤولية فتنظر إلى الأمام. اللوم يبحث عن متهم، والمسؤولية تبحث عن مخرج. اللوم قد يكشف الجرح، لكنه لا يداويه.
أما المسؤولية فتبدأ من الاعتراف بالجرح، ثم تسأل عن العلاج، وعن الطريق، وعن المشاركة الممكنة مهما كانت صغيرة.
في واقعنا اليمني، حيث تراكمت الأزمات وتعب الناس من الوعود، تبدو ثقافة المسؤولية حاجة ملحة لا ترفًا فكريًا. فليس مطلوبًا من المواطن العادي أن يحل كل مشكلات البلاد، ولا أن يحمل ما يفوق طاقته.
لكن المطلوب أن لا يستسلم لفكرة أنه بلا أثر. فكل إنسان يملك مساحة صغيرة يستطيع أن يجعلها أفضل: في بيته، مع أسرته، في عمله، في حيه، في كلمته، في طريقة تعامله مع المختلف، وفي قدرته على ألا يضيف ظلمًا صغيرًا إلى الظلم الكبير.
نحن ننتقد الفساد، وهذا حق. لكن المسؤولية تسألنا أيضًا: هل نقبل بالمجاملة حين تكون على حساب الحق؟
ننتقد القسوة، لكن هل نمارس الرحمة مع من هم أضعف منا؟ ننتقد الانقسام، لكن هل نغذي في أحاديثنا اليومية صورًا جاهزة عن المناطق والجماعات والأشخاص؟
نطالب بالعدل، لكن هل ننصف من نختلف معه؟ هذه الأسئلة لا تهدف إلى جلد الذات، بل إلى إيقاظ الوعي بأن التغيير لا يبدأ دائمًا من القرارات الكبرى، بل من السلوك المتكرر حتى يصبح ثقافة.
إن المجتمع الذي يعيش طويلًا داخل ثقافة اللوم يفقد ثقته بنفسه. يشعر أفراده أن لا جدوى من أي فعل، وأن كل محاولة صغيرة محكومة بالفشل.
وهذا أخطر ما تفعله الأزمات بالناس: لا تأخذ منهم الموارد فقط، بل تأخذ منهم الإحساس بالقدرة. لذلك فإن استعادة المسؤولية هي في جوهرها استعادة للإيمان بأن الإنسان ليس مجرد ضحية للظروف، بل شريك في صناعة المعنى والمستقبل.
ولا تعني المسؤولية أن يحمل الجميع القدر نفسه من الواجب. فمسؤولية صاحب القرار ليست كمسؤولية المواطن البسيط، ومسؤولية المثقف ليست كمسؤولية من لا يملك منبرًا، ومسؤولية المؤسسات ليست كمسؤولية الأفراد.
لكن كل موقع، مهما كان محدودًا، يحمل قدرًا من الأمانة. ومن هنا تبدأ الفكرة: أن نفعل ما نستطيع، بدل أن نكتفي بانتظار ما لا نستطيع.
ثقافة المسؤولية تحتاج إلى لغة جديدة. لغة أقل اتهامًا وأكثر صدقًا، أقل تعميمًا وأكثر إنصافًا، أقل غضبًا وأكثر قدرة على الفهم. فالوعي لا ينمو في بيئة يصرخ فيها الجميع ولا يسمع أحد.
ينمو حين نتعلم أن نسأل قبل أن نحكم، وأن نراجع أنفسنا قبل أن نوزع الأحكام، وأن نبحث عن المشترك بدل أن نكرس القطيعة.
قد لا نستطيع تغيير الواقع دفعة واحدة، لكننا نستطيع أن نغير طريقة حضورنا فيه.
نستطيع أن نرفض الكذب ولو كان شائعًا، وأن نحترم الكرامة ولو في أبسط المواقف، وأن نتوقف عن خطاب الكراهية، وأن نربي أبناءنا على الإنصاف لا على الانتقام، وأن نحول الشكوى إلى سؤال عملي: ماذا يمكنني أن أفعل من موقعي؟
من ثقافة اللوم إلى ثقافة المسؤولية ليست رحلة سهلة، لكنها ضرورية. فاللوم قد يفسر بعض ما حدث، لكنه لا يكفي لصناعة ما سيأتي. أما المسؤولية فهي بداية الخروج من العجز،
وبداية بناء وعي يرى أن إصلاح المجتمع لا يكون بانتظار المعجزات، بل بتراكم المواقف الصغيرة الصادقة، حتى تصبح قوة خلاقة عامة.
وحين يدرك الناس أن لكل واحد منهم دورًا، مهما بدا بسيطًا، يتحول المجتمع من جمهور غاضب إلى قوة واعية. عندها لا يعود السؤال: من نلوم؟ بل يصبح: كيف نشارك في الإصلاح؟
وهذا السؤال وحده كفيل بأن يفتح نافذة للحوار والعمل المشترك، وقد يكون بداية طريق أطول نحو وعي مجتمعي أكثر نضجًا.
✍️ د. نادر السقاف