زراعة الكبد في تعز... إنجاز طبي يمني منقذ للحياة
بينما يتواصل حصار مدينة تعز ، وتشطرها خطوط التماس إلى نصفين، ورغم كل تداعيات الحرب التي اندلعت في 2015، واصل عدد من الأطباء اليمنيين العمل على توطين عمليات زراعة الكبد، ضمن مشروع طموح.
أعلنت المؤسسة الوطنية لعلاج مرضى القلب والكلى في مدينة تعز، 4 مايو/ أيار الماضي، عن نجاح فريق طبي يمني متخصص في إجراء ثلاث عمليات لزراعة الكبد، في سابقة هي الأولى من نوعها، ضمن محاولات تطوير وتوطين الخدمات الجراحية المتقدمة في البلاد، مما من شأنه تقليل حاجة المرضى للسفر إلى الخارج، وتخفيف الأعباء المالية والإنسانية عن كاهل الفقراء منهم.
لم يكن الإنجاز الجراحي الذي استغرق سنوات من التدريب وبناء الكوادر مجرد نجاح طبي يضاف إلى مسيرة المؤسسة الطبية الوطنية، بل كان عملاً استثنائياً في ظل الكثير من التحديات والمعوقات ونقص الإمكانات،
فمدينة تعز تخنقها طرق جبلية وعرة، وتغيب عنها أساسيات العمل الطبي المستقر، مع صعوبة استيراد الأجهزة المعقدة، نتيجة الحصار الخانق المفروض عليها.
ورغم أن تعز هي حاضنة المشروع، فإن بابه ليس موصداً أمام بقية محافظات اليمن، فمن بين العمليات الثلاث الأولى الناجحة حالتان من تعز، وحالة من منطقة القفر في محافظة إب، في إشارة إلى أن البرنامج يتبنى رؤية وطنية جامعة تتجاوز الجغرافية السياسية الممزقة، واضعاً المعايير الطبية واحتياج المريض فوق كل اعتبار.
ويطمح الفريق الجراحي اليمني إلى تأسيس مدرسة يمنية خالصة لزراعة الأعضاء، عبر استخدام تقنيات متابعة حديثة، وأنظمة تخدير متقدمة، وفق بروتوكولات عالمية، ليس لضمان نجاح الحالات الحالية فحسب،
بل لتحويل هذه الخدمة العلاجية إلى برنامج مستدام ينقذ أرواح آلاف اليمنيين، ويوفر عليهم مشقة وتكاليف السفر إلى الخارج للعلاج.
تأسس مركز القلب والكلى في تعز، في أغسطس/ آب 2021، بتمويلٍ سخي من فاعلي الخير ومنظمات المجتمع المدني، وشراكاتٍ رائدة مع القطاع الخاص، ليمثل بارقة أمل لآلاف المرضى العاجزين عن تحمّل تكاليف الجراحات الباهظة، ما أعاد الحياة لأشخاص كانوا قاب قوسين أو أدنى من الموت.
وفي مطلع فبراير/ شباط 2026، صدر القرار الجمهوري القاضي بتحويل المركز إلى مؤسسة وطنية رسمية تحمل اسم "مركز القلب والأوعية الدموية وزراعة الكلى"، بهدف تعزيز دوره في تقديم خدمة طبية متميزة على مستوى الجمهورية، وتنظيم موارده المالية وإدارته، ليتحول من مشروع محلي إلى صرحٍ حكومي يسعى لتوطين الجراحات المعقدة في عموم اليمن، تحت مظلة الدولة، وبدعمٍ مستدام من شركاء التنمية.
يقول رئيس الفريق الطبي الذي أجرى عمليات زراعة الكبد الثلاث، الطبيب نبيل المخلافي، وهو استشاري زراعة الكبد والقناة الهضمية، إن "العمود الفقري لهذا الإنجاز الجراحي المهم هو الكادر اليمني المتخصص، من جراحين وأطباء تخدير وأطباء عناية مركزة وفنيين وممرضين، وجميعهم عملوا لساعات طويلة بروح الفريق الواحد.
يضم الفريق كلاً من الطبيب محمد المجاهد، والطبيب بشير الكامل، وبإشراف الخبير الهندي سلفا كابور، ويقود فريق جراحة الأوعية الدموية البروفيسور أبو ذر الجندي، ويضم الطبيب إسماعيل الشميري، والطبيبة نسيم الوصابي، وهم من تولوا مهمة زراعة الشرايين،
إلى جانب خبراء في المرحلة الطبية التأسيسية، بهدف نقل الخبرة والإشراف العلمي". ويؤكد المخلافي أنه "لم يكن هدفنا منذ البداية هو مجرد إجراء عمليات جراحية استثنائية، بل تأسيس مدرسة يمنية حقيقية في مجال زراعة الأعضاء، والاستعداد لهذا الإنجاز لم يبدأ قبل هذه العملية بشهور،
بل قبل سنوات، إذ قمنا بتجهيز غرف العمليات وفق متطلبات زراعة الأعضاء، وتدريب الطواقم، وإعداد البروتوكولات الدقيقة لاختيار المرضى والمتبرعين، ثم بناء نظام متابعة طويل الأمد للرعاية بعد العملية، وأثبت
الطبيب اليمني كفاءته رغم كل الظروف الصعبة. ما نحتاجه اليوم ليس الإشادة، بل الشراكة الحقيقية لدعم برنامج زراعة الأعضاء، مع المساعدة على توفير الأدوية المناعية للمرضى، فالاستثمار في الصحة هو استثمار في الحياة".
ويوضح الطبيب اليمني أن "عمليات الزراعة الثلاث الناجحة لم تكن مجرد إجراء طبي عادي، بل قصص حياة، فقرار الزراعة لم يكن سهلاً على أسر أي من المرضى الثلاث، بل كان قرار حب وتضحية، إذ وهبت ابنة جزءاً من كبدها لوالدها، وتبرعت أختٌ لأخيها،
وفي الحالة الثالثة كان المتبرع قريباً من الدرجة الأولى. نستطيع القول إننا لم نزرع أكباداً فحسب، بل أعدنا الأمل لثلاث عائلات كاملة".
من جانبه، يقول أحمد علي، وهو مرافق لإحدى الحالات التي خضعت للزراعة "لا أصدق حتى الآن أن العملية نجحت. لقد قررنا المغامرة بإجرائها في المركز لأنه الخيار الوحيد، خاصة أنها كانت أول عملية من نوعها في تعز، وفي اليمن كله.
كان مريضنا يعاني من فشل كبدي متقدم، ووصلنا إلى مرحلة لم يعد أمامنا فيها سوى السفر للخارج، وكان هذا الأمر مستحيلاً بسبب وضعنا المادي المتردي".
ولا يمكن فصل نجاح زراعة الكبد عن المنظومة الطبية المتكاملة التي أرساها المركز، إذ يقدم حزمة من الخدمات النوعية، التي تبدأ من طوارئ القلب، والعيادات التخصصية، وصولاً إلى الجراحات،
ويقدم المركز خدمات القسطرة القلبية الطارئة التي تُجرى في الدقائق الأولى من وصول المريض، وعمليات القلب المفتوح، وجراحات التدخل المحدود عبر المناظير،
وكلها يضاف إليها سجل حافل في عمليات زراعة الكلى قبل الوصول إلى الإنجاز الأحدث وهو زراعة الكبد.
على المستوى التقني، يضم المركز أحدث الأجهزة المرجعية، حيث تخدم وحدة "الإيكو" وحدها ما يقارب 100 مريض يومياً بأسعار رمزية، وأدخل المركز مؤخراً خدمة فتح صمامات القلب بالبالون،
كما يستعد قريباً لتدشين عمليات تبديل الصمام الأبهر عبر جراحات القسطرة، ودراسة كهرباء القلب، وهي إجراءات طبية معقدة كانت تضطر اليمنيين إلى بيع ممتلكاتهم بحثاً عن العلاج في الخارج،
وبفضل هذا التطور، تحول المركز إلى مرجع طبي، كما بات قبلة للباحثين، واضعاً حداً لسنوات من العناء والارتحال.
وإضافة إلى الخدمات العلاجية، يقوم المركز أيضاً بدور أكاديمي عبر تنفيذ برنامج متكامل لتأهيل وتطوير الخبرات الطبية في مجالات أمراض القلب والأوعية الدموية وزراعة الكلى،
كما يستضيف مجموعة من المدربين الأجانب في تخصصات الطب المختلفة، بهدف تعزيز مهارات الأطباء، ورفع مستوى الكادر الطبي.
وبينما يغادر المرضى غرف المستشفى حاملين في أجسادهم أكباداً جديدة، فإنهم يحملون في أرواحهم أملاً أكبر بأن تتوقف الحرب التي مزّقت البلاد، والتي لم تستطع أن تمزّق إرادة أطبائها الذين يؤكدون أن الحياة في اليمن، رغم كل شيء، لا تزال ممكنة.
فخر العزب
صحافي يمني