هاني شاكر... مغنّي لحظات الانكسار الخارج من جلباب العندليب
حين بدأ المطرب المصري هاني شاكر (1952- 2026)، الذي رحل يوم أمس الأحد عن 73 عاماً، خطواته الأولى نحو الشهرة في أوائل سبعينيات القرن الماضي، كان الوسط الغنائي يتهيأ لوداع نجومه الكبار.
ظهر شاكر على ساحة كانت تدين بولاء فني لعبد الحليم حافظ، ما جعل انطلاقته محاصرة بلقب كاد يُنهي مسيرته قبل أن تبدأ: خليفة العندليب.
في بداياته، وتحديداً مع أغنية "حلوة يا دنيا"، لم يكن الجمهور يستمع إلى صوت المطرب الصاعد إلا باعتباره طيفاً للعندليب الأسمر. نبرة الشجن، والوسامة الهادئة، وحتى الوقفة على المسرح، وضعت المغني الشاب في مقارنة ظالمة.
كان صوته يحمل البحة العاطفية نفسها التي ميّزت حليم، ما دفع النقاد والصحافة آنذاك إلى اعتباره امتداداً وليس تجديداً.
أدرك شاكر مبكراً أن اقتران اسمه باسم مطرب بحجم عبد الحليم سيكون طريقاً سريعاً نحو النهاية، فالمقلدون لا ينجحون، والجماهير لا تحب الظلال الباهتة لنجومها الكبار.
نجح هاني شاكر في الخروج من أسر التبعية الحليمية عبر عدة خطوات، كان من أهمها عدم حصر نفسه في ملحني العندليب، مثل بليغ حمدي أو محمد الموجي، وإنما بحث عن ألحان تخدم مسيرته نحو الاستقلال الغنائي.
كما ابتعد شاكر تدريجياً عن حركات حليم المسرحية، وصنع لنفسه هالة خاصة من الوقار الرومانسي المتّسم بمسحة أرستقراطية.
كانت سنوات السبعينيات هي الأصعب في مسيرة شاكر، لأن الخروج من جلباب عبد الحليم كان أشبه بضرورة وجودية.
يمكن اعتبار هاني شاكر المطرب الوحيد الذي استطاع أن يرث عرش الأغنية العاطفية من دون أن يذوب في شخصية الملك الراحل، محولاً المقارنة من نقمة كادت تجمده في ثلاجة التقليد، إلى قوة دفع جعلته في صدارة المشهد الغنائي لعقود تالية.
مع الوقت، بدأت المعالم المميزة لشخصية هاني شاكر الفنية في التبلور، ومن أهم هذه المعالم قدرته الفائقة على صياغة الألم في قالب من الأناقة الغنائية. وأصبح الحزن في مسيرته أشبه بخط عام مطرد لا يتأثر بعامل الزمن ومرور السنوات،
وكان من نتيجة هذا التوجه أن أصبحت أغانيه ملاذاً أساسياً لأصحاب الحزن العاطفي والقلوب المنكسرة، على امتداد عدة أجيال. استثمر شاكر في مشاعر الانكسار، ونجح في تحويل الحزن النبيل إلى ماركة فنية أصبح هو رائدها، وربما محتكرها.
وفي وقت كانت الأغنية العربية تجري نحو الإيقاعات السريعة والبهجة المصطنعة في التسعينيات، اختار هو أن يكون سادن الرومانسية.
وبينما كان الجميع يتسابق على الرقص، والتفاعل الجسدي مع الإيقاع، كان يراهن على حزن أرستقراطي، يعتمد على عفة الكلمة ورقي اللحن،
فكانت مساهمة شاكر الكبرى في الأغنية العربية طاقة إبداعية نجحت في الاستمرار لعقود من دون أن تفقد بريقها، أو تتحول إلى موضة غنائية قديمة.
مع بداية التسعينيات، بلغت موجة الأغنية الشبابية ذروة عتوها وعنفوانها، وانتشر الفيديو كليب ليمنح الأولوية للصورة على حساب الصوت.
في هذه المرحلة التي سقطت خلالها حصون فنية كثيرة، استطاع هاني شاكر أن يؤكد صموده، ثم نجح في تخطي الصمود إلى الصدارة.
ومع صموده وصدارته، تمتع بقدر من المرونة، ساعده على مواكبة المشهد الغنائي، بالتعاون مع عدد من الملحنين المختلفين في الأساليب والتوجهات، ليظل صوته مسموعاً لدى جيل المراهقين والشباب جنباً إلى جنب مع جيل الكبار.
صحيح أن الجيل الجديد وقتها كان يرقص على إيقاعات حميد الشاعري، لكنه كان يحتاج إلى من يعبّر عن لحظات انكساره، ويبحث عن يد حانية تضمد جراحه. فهم شاكر هذه الاحتياجات، فظل هو الاختيار الأول للساعة المتأخرة من الليل، حين يتجدد الألم والحزن.
ظهر شاكر على شاشة السينما وعمره 14 عاماً، حين لعب دور الطفل سيد درويش، في الفيلم الشهير الذي أخرجه أحمد بدرخان عام 1966، من بطولة كرم مطاوع وهند رستم.
وهو ما يعني أنه اختار مبكراً أن يسير في طريق الغناء والموسيقى، وهو ما تأكد بالتحاقه بكلية التربية الموسيقية، ثم تخرجه منها متفوقاً وبتقدير الامتياز، مع إجادته العزف على العود والبيانو.
لكن مسيرة شاكر مع الغناء بدأت فعلياً مع أغنية "حلوة يا دنيا" التي لحنها له محمد الموجي، ليقدمها لأول مرة في ديسمبر/كانون الأول 1972، بمناسبة عيد ميلاده العشرين.
تلقى المستمعون الأغنية باعتبارها محاكاة لأسلوب عبد الحليم، وربما اختلط الأمر على بعضهم، فظن أن المغني هو بالفعل عبد الحليم حافظ.
يكشف الفهم العميق لتلك اللحظة عن أن شاكر بذل بعد ذلك جهداً مضنياً للخروج من عباءة العندليب، مع الانتباه إلى أن جهوده لم تكن مقنعة لقطاعات واسعة من المستمعين، ممن ظلوا لفترة طويلة ينظرون إليه وكأنه نسخة غير أصلية من حليم، مع الإقرار بامتلاكه صوتاً جميلاً مرهفاً.
في عام 2024، أصدر شاكر آخر ألبوماته الغنائية بعنوان "اليوم جميل"، وتضمن تسع أغان، حرص فيها الرجل على تحقيق أكبر قدر من التنوع، فأخذ كلماتها من تسعة شعراء هم: كريم حكيم، وإسلام القباري، وأمير طعيمة، ومحمد جمعة، ومصطفى شكري، ومحمد موسى، وأحمد شتا، وراميا بدور، ومحمد القاسمي.
وأسند تلحينها إلى تسعة موسيقيين هم: مودي منير، وأحمد العتباني، وعزيز الشافعي، وأحمد محيي، ومصطفى شكري، ومحمد الحلفاوي، وجوزيف جحي، وهيثم زياد، وشريف إسماعيل.
أراد شاكر بعد أن تجاوز السبعين أن يؤكد قدرته على التعامل مع طيف فني واسع ومتنوع، من الشعراء والموسيقيين، وأن يقدم باقة غنائية تتسم بثراء واضح.
وبين "حلوة يا دنيا" و"اليوم الجميل"، قطع شاكر رحلة غنائية طويلة تجاوزت نصف قرن، أطلق خلالها أكثر من 30 ألبوماً غنائياً، وعشرات بل مئات الأغاني الفردية، والكليبات المصورة.
ولا ريب أن بعض أغانيه حققت نجاحاً جماهيرياً استثنائياً، وأصبحت تمثل محطات مهمة في مسيرته، ومنها تمثيلاً: "كده برضه يا قمر" (1975)، و"علّي الضحكاية" (1987)، و"غلطة" (1997)، و"جرحي أنا" (2000)، و"لسه بتسألي" (2002)، وقد حققت هذه الأخيرة أكثر من 100 مليون استماع على المنصات الرقمية.
بدت مرونة شاكر في التعاون مع مدارس لحنية متباينة وكأنها مواكبة دؤوبة للحالة الفنية المعاصرة، لكنها في الحقيقة كانت استراتيجية ذكية لترميم مفهوم الأغنية الطربية وحمايتها من التآكل أمام طوفان الألحان المعلبة، ليحقق معادلة صعبة تجمع بين وقار الكبار وحيوية العصر.
بهذه الاستراتيجية، نجح شاكر في أن يجعل من نفسه الجسر الآمن الذي عبرت عليه الرومانسية الكلاسيكية نحو الألفية الجديدة.
حين تولى شاكر منصب نقيب الموسيقيين عام 2015، لم ينظر إلى النقابة باعتبارها جهة يقتصر دورها على خدمة المطربين والملحنين والعازفين، وإنما رأى فيها حصناً أخلاقياً وذوقياً،
وهذا الخلط بين الدورين جعله في مواجهة مباشرة مع أشكال تعبيرية جديدة لم تعترف بها القواميس الموسيقية التقليدية التي نشأ عليها.
كان أهم هذه الأشكال أغاني المهرجانات التي رأى فيها "تلوثاً سمعياً" وتهديداً للذوق العام، فاستخدم سلطته للمنع والتحجيم، ليجد نفسه في مواجهة سلطة الترند وجيل "زد" الذي لا يرى للفن قداسة، بل يراه متعة وتجارب.
وفي تلك اللحظة تحوّل شاكر في نظر بعض النقاد من مطرب ومبدع، إلى عدو للتجديد.
وفي الوقت الذي كان فيه شاكر يحاول "تنقية" الشارع الموسيقي، كان الشارع نفسه يبتعد عن "الأغنية الطربية" لصالح هذه الألوان الجديدة.
وبسبب هذا الصراع، طغت صورة النقيب أحياناً على صورة المطرب، ما أدى إلى نوع من الاستقطاب الحاد حول شخصيته. دفع شاكر ثمناً كبيراً من رصيده العاطفي والجماهيري مقابل محاولته فرض نظام فني صارم.
فالجمهور الذي اعتاد منه سماع آهات الحب، أصبح يشاهده في مداخلات هاتفية غاضبة للدفاع عن قرارات نقابية، ما خلق حاجزاً بينه وبين قطاع من الشباب.
ربما اختلف بعض المشتغلين بالغناء مع شاكر النقيب في صرامته، لكن أحداً لم يختلف على صدق شاكر الفنان، ولا على التزامه المستمر بحدود دنيا للجودة الفنية.
استطاع شاكر أن يظل شاباً في ألحانه، وشيخاً في وقاره، وطفلاً في صدق مشاعره. قوته الحقيقية نبعت من صدقه، ومن كونه لم يحاول بأي شكل أن يكون شخصاً آخر، فظل وفياً لنفسه، ولجمهوره، وللفن الذي يؤمن به، ليترك خلفه إرثاً عصياً على الاندثار، شاهداً على أن الرومانسية ليست ضعفاً، بل هي أسمى درجات القوة الإنسانية.
هكذا، أثبت هاني شاكر عبر رحلته الغنائية الطويلة أن الاستمرارية والنجاح والصدارة لا تأتي عبر ضربة حظ، وإنما هي ثمرة انضباط فني صارم رفض فيه أن يكون مجرد صدى للماضي، أو ضحية للحاضر، ليظل صوته الوثيقة العاطفية الأكثر ثباتاً في أرشيف الأغنية العربية المعاصرة.
هيثم أبوزيد