ورش الكتابة الدرامية... حين تكثر الأقلام وتقل الأفكار
شهدت صناعة الدراما التلفزيونية في مصر، خلال السنوات الأخيرة، تحولاً ملحوظاً في أساليب الكتابة وأشكالها، إذ انتهجت العديد من شركات الإنتاج سياسة اللجوء إلى ورش الكتابة بوصفها بديلاً عن المؤلف الواحد، وذلك لمواكبة التطورات السريعة التي يشهدها المجال، وتتطلب أفكاراً متنوعة وزوايا معالجة متعددة.
ورغم نجاح بعض التجارب الفنية، التي وصل أحياناً عدد كتابها إلى خمسة مؤلفين، لا تزال الاستعانة بالورش الفنية محل نقاش بين مؤيد يرى فيها مواكبة للتطور الطبيعي، ومعارض يخشى من فقدان البصمة الفردية للمؤلف.
فقد شهدت الدراما المصرية إنتاج العديد من المسلسلات التي اعتمدت على الورش الفنية، مثل مسلسل "المداح" بأجزائه الستة، الذي كتبه كل من المؤلفين أمين جمال ووليد أبو المجد،
ومسلسل "النص" الذي شارك في كتابته شريف عبد الفتاح وعبد الرحمن جاويش ووجيه صبري، وكذلك مسلسل "إفراج" الذي أدى بطولته عمرو سعد، إذ استعان منتج العمل أيضاً بورشة كتابة مكونة من ثلاثة مؤلفين هم أحمد حليم ومحمد فوزي وأحمد بكر.
يعكس هذا التوجه سعي الصناعة إلى إنتاج أعمال أكثر تنوعاً من ناحية الأفكار والمعالجة، خاصة في ظل المنافسة المتزايدة على جذب الجمهور.
بدورها، اعتبرت الناقدة المصرية خيرية البشلاوي، أن وجود ورش الكتابة أبعد كثيراً من المؤلفين أصحاب الخبرة عن الساحة الفنية، وكأنها موضة جديدة، ما يؤثر بالتأكيد على مستوى الدراما،
ويؤدي إلى إغفال العديد من الموضوعات المهمة والمحورية التي تخص المجتمع المصري.
تشير البشلاوي إلى أن وجود أكثر من مؤلف في العمل قد يؤدي إلى اختلاف في الرؤى وتشتت ناتج عن فقدان "الصوت الواحد" الذي يميز الأعمال ذات البصمة الفردية.
في المقابل، قال السيناريست تامر حبيب، إنه يحب فكرة مشاركة أكثر من مؤلف في العمل الفني، موضحاً أنه في الماضي لم يكن يميل إلى هذا النوع من الكتابة.
أضاف أنه سبق أن شارك في ورش كتابة من خلال بعض الأعمال التلفزيونية التي قدمها، وهي "طريقي" لشيرين عبد الوهاب، و"جراند أوتيل" لأمينة خليل وعمرو يوسف، و"لا تطفئ الشمس" لأمينة خليل وأحمد مالك،
مؤكداً أن هذه الأعمال حققت نجاحاً، كما أفرزت الورش مؤلفين استطاعوا أن يشقوا طريقهم مستقلّين.
أوضح تامر حبيب أن ليس كل تجمع لمؤلفين يعد ورشة كتابة، بل إن نجاح الورش يرتبط بكونها منظمة ومخططاً لها جيداً، إذ يكون كل مؤلف على دراية تامة بدوره، مع ضرورة وجود روح واحدة للعمل،
وأن تكون تحت قيادة مؤلف رئيسي. لم ينسَ الإشارة إلى أنه، رغم اقتناعه بالورش الفنية في الدراما التلفزيونية، لا يفضلها على مستوى السينما، بل يفضل الكتابة الفردية.
بدوره، اعتبر الممثل محمد صبحي، أنه لا يفضل على الإطلاق مشاركة أكثر من مؤلف في كتابة أي عمل، مؤكداً أن الأعمال الفنية لطالما ارتبطت بالمؤلف الواحد، الذي يمنحها روحاً واحدة ورؤية متماسكة.
أضاف أن الأعمال التي يشارك فيها عدد كبير من المؤلفين تكون في الغالب "مهلهلة ومشتتة"، وتغلب عليها العشوائية.
وعن الربط بين هذا النوع من الكتابة والتطور الذي تشهده الساحة الفنية، قال صبحي إنه لا يرى علاقة واضحة، متسائلاً: "ما الجدوى من مشاركة خمسة أو ستة مؤلفين في عمل واحد؟".
في السياق نفسه، رد السيناريست مدحت العدل على تساؤل حول رأيه في اللجوء إلى الورش الفنية، قائلاً: "السؤال الأهم هو: لماذا لجأ المنتجون إلى الورش؟
هل بهدف التوفير في أجر المؤلف الكبير، أم لتسريع خروج الحلقات إلى النور؟".
أضاف أن الإجابة عن هذه الأسئلة تكشف الهدف الحقيقي من الورشة، موضحاً أن العمل تحت ضغط أو بهدف الإنتاج السريع غالباً ما تكون نتائجه سلبية.
أكد العدل أن العامل الحاسم في نجاح الورشة هو من يقودها، إذ تقع على عاتقه مسؤولية توزيع الأدوار بين المؤلفين المشاركين، وتنظيم عملية الكتابة احترافياً.
أشار إلى أنه أعجب ببعض الورش التي قُدمت في السنوات الأخيرة، ومنها ورش المؤلفين مريم نعوم وخالد دياب، لما اتسمت به من تنظيم ووضوح في الرؤية.
اختتم مدحت العدل حديثه بتأكيد أن أي عمل فني يحتاج إلى خطة واضحة، بعيداً عن العشوائية، مع ضرورة أن يعرف كل مؤلف دوره بدقة، وألا يتدخل في عمل الآخرين، بما يضمن تحقيق التكامل بدلاً من التداخل.
من ناحيتها، أكدت السيناريست مريم نعوم أنها من المؤيدين لفكرة ورش الكتابة، موضحة أن الورشة يمكن أن تنتج أفكاراً جيدة تُنفَّذ تحت إشراف المؤلف الأساسي،
وبالتنسيق مع المخرج الذي يعقد جلسات مستمرة مع هذا المؤلف للاطلاع على ما توصلت إليه الورشة من أفكار.
واعتبرت أن العمل الذي يضم عدة مؤلفين يحقق ثراءً في الطرح وتنوعاً في المعالجة.
شددت مريم نعوم، في الوقت نفسه، على أن المشاهد يجب ألا يشعر بأن العمل كتب بواسطة أكثر من مؤلف، مؤكدة أن هذه المهمة تقع على عاتق المؤلف الرئيسي الذي يقود الورشة.
كما أشارت إلى أن هناك من لا يفضلون العمل الجماعي، إذ تختلف ميول الكتّاب بين من يفضل الكتابة الفردية ومن يجد نفسه في العمل ضمن فريق.
أما المخرج المصري مجدي أبو عميرة، فعلى الرغم من مشاركته السابقة في إحدى ورش الكتابة، أكد أنه لا يفضل هذا الأسلوب على الإطلاق.
وأضاف أنه يفضل أن يحمل العمل، سواء كان طويل الحلقات أم قصيرها، وجهة نظر واحدة، معتبراً أن تعددية الآراء قد تؤثر سلباً على النص.
وأشار إلى أنه رغم أن ورش التأليف موجودة منذ سنوات طويلة في الولايات المتحدة، يعود نجاحها هناك إلى اعتمادها على أسس تقنية واحترافية واضحة.
وسار على النهج نفسه المخرج محمد فاضل، الذي قال إنه يؤمن بأن العمل الفني تحركه رؤية واحدة وعقل واحد، هو عقل المؤلف، مشدداً على أن فكرة وجود عدة مؤلفين لكتابة عمل واحد قد تؤدي إلى خلل في ترتيب الأحداث، نظراً إلى اختلاف وجهات النظر.
ووصف فاضل اللجوء إلى الورش الفنية بأنه موضة، لكنها ليست بالضرورة جيدة، مؤكداً أن الإبداع، في رأيه، هو إبداع ذاتي يصعب تقسيمه أو تجزئته.
في المقابل، رفضت المنتجة المصرية مها سليم اتهام ورش التأليف بأنها تؤدي إلى تشتيت المشاهد، مشيرة إلى أن هناك العديد من الأعمال التي استعانت بعدة مؤلفين وحققت نجاحات كبيرة.
وأضافت أن هناك موضوعات تصلح للكتابة الجماعية وأخرى لا، مستشهدة بالأعمال المأخوذة عن الروايات، التي يفضل أن يكتبها سيناريست واحد للحفاظ على وحدة الرؤية.
كما رفضت مها سليم القول إن المنتجين يلجؤون إلى الورش بهدف تقليل التكاليف، مؤكدة أن هذا الطرح لا أساس له من الصحة، وأن اللجوء إلى الورش يأتي في كثير من الأحيان بدافع تطوير المحتوى وتقديم أعمال أكثر تنوعاً وجاذبية للجمهور.
مروة عبدالفضيل