وهم القداسة وإنتاج الشر
إن وجود «القديسين» بالمعنى الذي يضفي على البشر صفة القداسة المطلقة، قد يكون أحد أسباب استمرار «الأشرار»؛ فحين يُمنح شخص ما قداسةً فوق النقد والمساءلة، يصبح من السهل أن يتحول إلى مصدر للسلطة، وأن يُستخدم في المقابل لصناعة خصوم وأعداء. وفي هذا المعنى، قد يصبح الطرفان وجهين لعملة واحدة، وإن اختلفت توجهاتهما.
أحدهما يختار الجانب المظلم من الحياة، والآخر يقدّم نفسه بوصفه ممثلًا للجانب المضيء؛ أحدهما يختار الليل، والآخر يختار النهار. لكن حين تُسقط عنهما الهالة التي تحيط بهما، وتنظر بعمق إلى أفكارهما وأفعالهما، قد تكتشف أن الإنسان أكثر تعقيدًا من الصورة التي يرسمها لنفسه أو يرسمها الآخرون عنه.
فمن يقدّم نفسه بوصفه «قديسًا» ليس بالضرورة صالحًا، ومن نراه شريرًا قد لا يخلو من جوانب إنسانية وصالحة. فالإنسان ليس خيرًا مطلقًا ولا شرًا مطلقًا، وإنما تصنعه اختياراته ومواقفه وأفعاله.
ولعل أخطر ما يمكن أن نفعله هو أن نمنح أحدًا قداسةً تعفيه من النقد، أو أن نحكم على آخر بالشر المطلق؛ فحين تغيب المساءلة ويحلّ التقديس محلّ العقل، يصبح الطريق مفتوحًا أمام الاستبداد باسم الخير، تمامًا كما يمكن أن يُمارس الشر باسم الحق.