الضياع العربي
قبل أن يتشتّت الموقف العربي، ويُشرَّد المواطن الفلسطيني، كانت هناك عملية أسبق من ذلك: تغريبٌ وتشتّتٌ للتراث العربي، رافقهما تيهٌ في الفكر والوعي العربي.
ولعلّ الإنسان يستطيع أن يرى، ببساطة، أن التراث العربي أصبح منثورًا ومغتربًا في أنحاء العالم، تمامًا كما هو حال الفلسطيني الذي شُرِّد من وطنه في عصرنا الحاضر.
ولم يقتصر هذا التغريب على الفلسطيني، بل امتدّ إلى اليمني والسوري والعراقي والسوداني والليبي، حتى أصبح العربي، في كثير من الأحيان، غريبًا عن وطنه وتراثه وفكره.
لكن الفارق أن التراث العربي غُرِّب في الماضي على أيدي مستعمرين أجانب، وكذلك شُرِّد الفلسطيني على يد قوة احتلال خارجية؛
أما ما يحدث اليوم من تغريبٍ وتشريدٍ لأبناء الأقطار العربية الأخرى، فهو في جانب كبير منه نتاجُ استعمارٍ داخلي تمارسه سلطات وقوى محلية، وهو استعمار قد يكون أشدَّ نكالًا، لأنه يأتي من الداخل، وبأيدي من يفترض أنهم أبناء الوطن وحُماته.
وهكذا لم يعد الضياع العربي مجرد فقدانٍ للأرض، بل أصبح ضياعًا للإنسان، وتشتيتًا للهوية، واغترابًا عن التراث والفكر والوطن.