حشد أمريكي ومناورات إيرانية روسية.. بحر عُمان ساحة اختبار جديدة
الرأي الثالث - وكالات
تحولت مياه بحر عُمان وشمال المحيط الهندي إلى مسرح مزدحم بالرسائل العسكرية، مع إعلان إيران وروسيا تنفيذ مناورات بحرية مشتركة، يوم الخميس 19 فبراير، بالتوازي مع تعزيزات أمريكية جوية وبحرية تتسارع وتيرة إعلانها.
اللافت في هذا المشهد أن التصعيد لا يسير في خط واحد، ففي الوقت الذي تتحدث فيه واشنطن عن نقل مقاتلات وتوسيع وجود حاملات الطائرات، تؤكد إيران أنها تمضي في مسارين متوازيين هما التفاوض والجاهزية الدفاعية.
في المقابل تزداد وتيرة الضغوطات الإسرائيلية على واشنطن لدفعها نحو مزيد من التشدد إزاء إيران، خشية اتفاق قد يقيد تحركاتها العسكرية.
مناورة جديدة
وبحسب بيان الحرس الثوري الإيراني، فإن المناورات مع روسيا جزء من تنسيق مشترك لتعزيز الأمن البحري ومواجهة ما تصفه بتهديدات الملاحة في المنطقة.
وجاءت المناورات في نطاق بحري شديد الحساسية يعد امتداداً مباشراً لمضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة الطاقة العالمية، ما يجعل أي نشاط عسكري فيه يتجاوز طابعه التدريبي إلى رسائل سياسية وأمنية أوسع،
إذ تُعامل هذه المنطقة عادة كمؤشر على مستوى التصعيد الإقليمي.
إعلان التدريب سبقته تقارير عن مناورات للحرس الثوري، وتزامن مع تصريحات إيرانية متكررة، خلال الأسبوعين الماضيين، تربط بين الضغوط الخارجية ورفع الجاهزية العسكرية داخلياً.
كما تؤكد الرواية الرسمية الإيرانية أن هذه التحركات تندرج ضمن سياسة ردع دفاعية، وليست تمهيداً لعمل هجومي، رغم تصاعد التحشيد المقابل من الجانب الغربي.
إذ تؤكد تصريحات المسؤولين الإيرانيين أن طهران لا تفصل بين التفاوض ورفع الجاهزية القتالية، وتتعامل مع الضغوط ضمن معادلة أمن قومي شاملة.
تصعيد وتفاوض متوازٍ
تأتي هذه المناورات في وقت تتحدث فيه مصادر أمريكية وإسرائيلية عن سيناريوهات عسكرية محتملة خلال أسابيع، وفي مرحلة يفترض أنها تفاوضية بين واشنطن وطهران.
فقد عُقدت الجولة الثانية من المحادثات غير المباشرة بين الطرفين، في 17 فبراير 2026 في جنيف، برعاية عُمانية.
وأعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الاتفاق على "مبادئ موجهة" لصياغة نص محتمل لاتفاق، فيما تحدثت مسقط عن تقدم جيد في المسار الدبلوماسي.
كما أشار نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس إلى إحراز تقدم في بعض الملفات، مع تأكيده أن إيران لم توافق بالكامل على ما وصفها بخطوط ترامب الحمراء.
لكن في المقابل تحدثت تقارير أمريكية عن نقل أكثر من 50 مقاتلة، بينها "إف-35" و"إف-22" و"إف-16"، إلى نطاق القيادة المركزية في الشرق الأوسط، في مؤشر على رفع الجاهزية الجوية.
وعلى المستوى البحري تشير أيضاً إلى وجود حاملة الطائرات "يو إس إس أبراهام لينكولن" في بحر العرب، مع قرار بإرسال "يو إس إس جيرالد فورد" وخطط محتملة لتعزيز الانتشار بحاملة إضافية.
وسبق أن سجلت احتكاكات بطائرات مسيرة قرب الحاملة "يو إس إس أبراهام لينكولن"، بينها إسقاط القوات الأمريكية لمسيرة إيرانية في بحر العرب مطلع فبراير الجاري، في خطوة تعزز توسيع قواعد الاشتباك.
كما صعد البيت الأبيض لهجته محذراً من تداعيات فشل المسار التفاوضي، مع ربط متزايد بين التعثر الدبلوماسي وخيارات عسكرية مباشرة، حيث منح الرئيس دونالد ترامب طهران، يوم 19 فبراير 15 يوماً مهلة لإبرام اتفاق.
ونقل موقع "أكسيوس" عن مستشار لترامب تقديراً مرتفعاً لاحتمال عمل عسكري خلال أسابيع، قد يكون أوسع من ضربات محدودة سابقة.
في المقابل تحدثت وسائل إعلام إسرائيلية عن استعداد لسيناريو حرب قد يستهدف البرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين، مع تصاعد خطاب يربط الاستقرار الإقليمي بتغيير النظام في طهران، إلى جانب مخاوف إسرائيلية من أن يقيّد أي اتفاق قدرتها على التحرك منفردة.
استعراض القوة المنضبط
يقول الباحث العسكري والأمني محمد المحمودي إن التحركات البحرية المتزامنة في بحر عُمان وشمال المحيط الهندي تعكس انتقال الأزمة إلى مرحلة "استعراض القوة المنضبط"، حيث تسعى كل جهة إلى تثبيت معادلة ردع واضحة دون الانزلاق المباشر إلى مواجهة شاملة.
واعتبر أن كثافة الرسائل العسكرية "تعني أن الأطراف لا تختبر بعضها فحسب، بل تختبر أيضاً حدود التحمل السياسي"، مضيفاً:
- الجمع بين المناورات الروسية الإيرانية والتحشيد الأمريكي الجوي والبحري يرفع مستوى الاحتكاك العملياتي.
- هذا الأمر يزيد من احتمالات الخطأ التكتيكي أو حادث غير مقصود، قد يفتح باب التصعيد سريعاً.
- المنطقة باتت تعمل ضمن سقف توتر مرتفع، لا يحتمل كثيراً من المناورات الرمزية.
- العامل الحاسم في المرحلة المقبلة سيكون مسار المفاوضات، فإذا أظهرت تقدماً ملموساً فقد يتحول التصعيد إلى ورقة ضغط تفاوضية فقط.
- أما إذا تعثرت المحادثات كما لمح إلى ذلك ترامب، فستتحول التحركات العسكرية من رسائل ردع إلى أدوات تنفيذية على الأرض، خصوصاً مع ارتفاع الخطاب الإسرائيلي والأمريكي بشأن الخيارات الواسعة.
- الأيام القادمة ستكون مفصلية، إذ ستحدد ما إذا كانت المنطقة تتجه إلى تسوية مشروطة تحفظ توازن الردع، أم إلى مواجهة محدودة محسوبة تُعاد عبرها صياغة قواعد الاشتباك، مع بقاء احتمال الانزلاق إلى تصعيد أوسع قائماً إذا اختلت الحسابات السياسية.