مهلة ترامب تنتهي الجمعة وسط توتر إقليمي.. ماذا ينتظر بغداد؟
الرأي الثالث - وكالات
تدخل الأزمة السياسية في العراق مرحلة حساسة مع اقتراب انتهاء مهلة قالت مصادر عراقية إنها مُنحت من قبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للقوى العراقية لتشكيل حكومة جديدة، تنتهي الجمعة (27 فبراير الجاري).
هذا التطور يعكس حجم الضغوط الدولية المتداخلة في ملف يُفترض أنه شأن داخلي سيادي، حيث تأتي هذه المهلة وسط جدل حاد بشأن ترشيح رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي لرئاسة الحكومة المقبلة، فيما تعلن واشنطن عدم قبولها بوجود المالكي على هرم السلطة العراقية.
وبينما تؤكد بغداد رسمياً أن تشكيل الحكومة مسألة داخلية، تشير تسريبات وتصريحات متقاطعة إلى وجود تحذيرات أمريكية من تداعيات المضي بحكومة "قريبة من طهران"، بما في ذلك احتمال فرض عقوبات قد تطال مؤسسات سيادية حساسة.
هذا التوتر يضع البلاد أمام معادلة معقدة مفادها التمسك بخيارات القوى البرلمانية الكبرى، أو تجنب ضغوط اقتصادية قد تمس الاستقرار المالي.
المشهد يتقاطع مع صراع نفوذ أوسع بين واشنطن وطهران، حيث يُنظر إلى هوية رئيس الوزراء المقبل بوصفها مؤشراً على اتجاه البوصلة السياسية للعراق في المرحلة القادمة.
ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه المنطقة توترات متسارعة، ما يزيد من حساسية أي تحول في توازنات بغداد.
تحذيرات أمريكية
مصادر مطلعة قالت أن الولايات المتحدة منحت القوى السياسية العراقية مهلة تنتهي يوم الجمعة (27 فبراير الجاري) لتشكيل حكومة "بعيدة عن الهيمنة الإيرانية"، بحسب تعبيرها، على خلفية ترشيح نوري المالكي.
وأفادت المصادر بأن واشنطن لوّحت بفرض عقوبات صارمة على مؤسسات وأفراد في حال تشكيل حكومة قريبة من طهران.
ووفق المصادر ذاتها، أجرى المبعوث الأمريكي توماس باراك سلسلة لقاءات خلال زيارته إلى بغداد وإقليم كردستان، ركزت على طبيعة الحكومة المقبلة وضرورة أن تكون بعيدة عن النفوذ الإيراني، ناقلاً تحذيراً واضحاً بإمكانية فرض عقوبات قاسية إذا لم تُراعَ هذه الشروط.
في السياق نفسه كشفت النائبة عالية نصيف، عن ائتلاف الإعمار والتنمية، في تصريح متلفز، عن وجود مهلة أمريكية تنتهي الجمعة تتعلق بملف رئاسة الوزراء.
وأشارت نصيف إلى احتمال فرض عقوبات قد تطال مؤسسات عراقية حساسة مثل شركة تسويق النفط (سومو)، والبنك المركزي، ومصارف عراقية، في حال عدم الاستجابة.
المالكي يتمسك بترشحه
في المقابل أعلن نوري المالكي تمسكه بترشحه، وقال في مقابلة مع وكالة "فرانس برس": "لا نية لدي للانسحاب أبداً"، مشدداً على أنه "ليس من حق أحد أن يقول لا تنتخبوا فلاناً وانتخبوا فلاناً"، في إشارة إلى رفضه أي تدخل في قرار القوى السياسية العراقية.
من جانبه أكد وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين، خلال لقائه المبعوث الأمريكي توم براك في بغداد، أن مسألة تشكيل الحكومة شأن داخلي، مع الأخذ في الاعتبار آراء الشركاء الدوليين، لا سيما الولايات المتحدة، وفق ما نقلته وكالة الأنباء العراقية (واع).
من جهتها كررت السلطات العراقية في مناسبات عدة أن تشكيل الحكومة قضية سيادية، رغم تلويح الرئيس الأمريكي بوقف المساعدات الأمريكية في حال تكليف المالكي، مرشح "الإطار التنسيقي"، بتشكيل الحكومة.
بين السيادة والضغوط
المهلة التي تنتهي الجمعة تضع القوى السياسية أمام اختبار مزدوج، يتجسد في الحفاظ على استقلال القرار الداخلي، وتجنب تداعيات اقتصادية قد تمس النظام المصرفي وقطاع النفط، وهما ركيزتان أساسيتان للاستقرار المالي في البلاد.
من جانب آخر فإن التلويح الأمريكي بشن الحرب على إيران، إلى جانب العقوبات والضغوط الاقتصادية، يضع العراق في قلب معادلة إقليمية شديدة الحساسية، بحكم موقعه الجغرافي وتشابك علاقاته السياسية والاقتصادية مع الطرفين.
وترتبط حساسية الموقف أيضاً بطبيعة العلاقة المعقدة بين بغداد وطهران، إذ تتمتع إيران بنفوذ سياسي وأمني داخل العراق، تكرّسه قوى وأحزاب شيعية بارزة، فضلاً عن فصائل مسلحة تدين لها بالولاء.
وفي المقابل ترى واشنطن أن أي حكومة لا تضع مسافة واضحة مع هذا النفوذ ستكون امتداداً لتأثير إيراني مباشر، ما يفسر حدة التحذيرات الأمريكية المرتبطة بهوية رئيس الوزراء المقبل.
السيناريوهات المتوقعة
يرى المحلل السياسي د. واثق السعدون أن أزمة تشكيل الحكومة العراقية الجديدة لم تعد مسألة داخلية خالصة، بل أصبحت رهينة مسار المواجهة الأمريكية – الإيرانية وما ستؤول إليه من نتائج.
ويشير السعدون إلى أن التبرير المتداول إعلامياً لتأخر تشكيل الحكومة يتمثل في عدم اتفاق الأحزاب الكردية على مرشح لمنصب رئيس الجمهورية، وهو المنصب الذي يُفترض أن يكلّف مرشح الكتلة النيابية الكبرى، أي الإطار التنسيقي، بتشكيل الحكومة.
غير أن هذا التفسير برأيه لا يعكس حقيقة المشهد السياسي، وأوضح قائلاً:
- العقدة الأساسية تكمن في ترشيح نوري المالكي لرئاسة الوزراء، في ظل ما يوصف بوجود اعتراض أمريكي على عودته إلى المنصب.
- القوى الكردية تتجنب إعلان موقفها النهائي بانتظار اتضاح مصير ترشيح المالكي، خشية الدخول في صدام سياسي مع واشنطن.
- رغم غياب الإجماع الكامل داخله، لا يرغب الإطار في سحب ترشيح المالكي مباشرة حتى لا يبدو خاضعاً للضغوط الأمريكية، مفضلاً أن يتخذ المالكي قرار الانسحاب من تلقاء نفسه.
- من جانبه يتمسك المالكي بترشيحه انطلاقاً من مبدأ عدم الخضوع للإملاءات الخارجية، ما يزيد من تعقيد المشهد.
- بعض القوى القريبة من طهران تميل إلى إطالة أمد الأزمة بانتظار مآلات التصعيد الأمريكي – الإيراني، لتحديد اتجاهها السياسي النهائي.
وحول السيناريوهات المتوقعة يقول السعدون:
- إذا لم تُسفر المواجهة عن تغيير جذري في إيران فقد يمضي الإطار في ترشيح المالكي.
- إذا بدا أن واشنطن عازمة على إعادة رسم التوازنات فقد تتجه القوى السياسية إلى تقديم بديل مقبول.
- في حال اندلاع حرب مفتوحة قد تتراجع أولوية تشكيل الحكومة لصالح اعتبارات أمنية أوسع.
يشير السعدون إلى أن زيارة المبعوث الأمريكي توم براك إلى بغداد حملت رسائل ضغط واضحة لحسم الاستحقاقات الدستورية، ودفع القوى السياسية نحو تسوية سريعة.
ولفت إلى أن من بين السيناريوهات المحتملة يبرز احتمال التجديد لرئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني، في حال جرى سحب ترشيح المالكي والتوصل إلى تفاهم يرضي واشنطن.