تغريبة اليمن في ذكرى الوحدة: كانتونات الحرب جغرافيا شتات
الرأي الثالث
في 22 مايو/ أيار 1990، اتجهت الأنظار إلى مدينة عدن، حيث اجتمعت القيادات السياسية والعسكرية في كل من الجمهورية العربية اليمنية وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، للإعلان عن قيام دولة الوحدة "الجمهورية اليمنية"، ليتم رفع علم الدولة الوليدة التي طوت عقوداً من التشظي والتمزق، وهي تعد بدولة ديمقراطية موحدة، وهو المشهد الذي كانت الدموع الأصدق تعبيراً عن أهميته.
اليوم بعد 36 عاماً لا تزال الدموع هي الأكثر والأصدق تعبيراً عن اللحظة اليمنية الراهنة، لكنها دموع من نوع آخر، تحكي مرارة ومأساة التغريبة اليمنية حيث بلد يعاني من حرب طاحنة منذ أكثر من 11 عاماً، تمزق خلاله اليمن إلى كانتونات صغيرة بهويات صغيرة ومتباينة أيضاً.
واليمني الذي كان يضيق بفكرة انتقاله بين شطري البلد بإبراز "هوية شخصية" صار اليوم عاجزاً عن الانتقال من مدينة إلى أخرى، نتيجة تهديد أمني يلاحقه بعد تصنيفه محسوباً على مكون ما من مكونات البلاد المتناحرة.
تشظٍّ جغرافي قسم اليمن إلى مناطق محسوبة على جماعة الحوثيين، تشمل صنعاء وعدداً من المحافظات الشمالية، ومناطق محسوبة على الحكومة المعترف بها دولياً تشمل عدن وعدداً من المحافظات الواقعة جنوبي وشرقي البلاد،
وهذه المناطق أيضاً مقسمة إلى كانتونات ذات ولاءات متعددة. ولا يتوقف الأمر عند حدود التشظي الجغرافي والسياسي والعسكري ليمتد إلى الجانب الاقتصادي.
مغامرة السفر بين المدن في اليمن
في ظل هذا الواقع لم يعد السفر بين المدن اليمنية مجرد رحلة انتقال، بل مغامرة محفوفة بالمخاطر الأمنية والتصاريح المسبقة، يصطدم فيها المواطن بفوارق حادة لعملات نقدية مجزأة، وأسعار صرف شطرت الاقتصاد الواحد نصفين، حتى باتت قوانين اللعبة اليومية تتغير كلياً بمجرد عبور حاجز عسكري في المناطق التي باتت تعرف بمناطق التماس.
هذا الواقع اليوم يلخص المفارقة القاسية لليمن المعاصر بعد 36 عاماً من قيام الوحدة اليمنية: شعارات وحدة ما زالت مكتوبة على الورق، وحاضرة في الخطابات، وواقع انقسام مرير ينهش التفاصيل الصغيرة لحياة المواطنين كل يوم، وحصد أرواح عشرات الآلاف من اليمنيين.
والمفارقة أن الغالبية العظمى منهم ينتمون إلى جيل الشباب الذين وُلدوا في كنف اليمن الموحد، ولا تتجاوز أعمارهم 36 عاماً، فيما من نجا منهم من الموت، يواجه المعاناة الأشد، في ظل وضع إنساني يُصنف الأسوأ عالمياً أو من الأسوأ بعد السودان.
وتأتي هذه المعاناة مدفوعة بحالة التشظي الحالي، وتقسيم الهويات (شمال/جنوب) الذي فرضته الحرب المستمرة، ليبيت اليمنيون وفي صدر كل منهم قصة وجع إنساني، أعادت إلى الواجهة دعاء اليمنيين القدماء: ربنا باعد بين أسفارنا.
الشاب حسام (28 عاماً)، الذي تحول يوم عرسه إلى مأساة بفعل الانقسام الذي يعيشه البلد، يقول كنا نسكن ونستقر في صنعاء بحكم عمل الوالد في وظيفة حكومية منذ ثمانينيات القرن الماضي،
ومع انقلاب الحوثيين رفض الوالد العمل معهم، وقرر ترك العاصمة والعودة إلى مسقط رأسه في ريف محافظة لحج، بينما استقرت بقية الأسرة في صنعاء".
ويضيف حسام بحسرة: في يوم زواجي عاد الوالد إلى صنعاء لحضور حفل الزفاف، لكن مسلحي جماعة الحوثيين كانوا له بالمرصاد، حيث أقدموا على اختطافه، لتتحول الفرحة في لحظة إلى مأساة.
وطأة الانقسام تصبح أكثر قسوة عندما تفرض شروطها على لحظات الفراق الأخير، لتحرم الآباء من نظرة وداع أبنائهم لهم خلف متاريس خطوط التماس. في 31 ديسمبر/ كانون الأول 2021، أسدل الموت الستار على حياة الشيخ أحمد عبده عمران، أحد أبرز الوجوه القبلية والاجتماعية في ذمار. رحل الشيخ الثمانيني مثقلاً بوجع الفراق وكمد الغياب.
ففي الوقت الذي كان فيه نجله الصحافي عبد الخالق يرزح تحت وطأة التعذيب في سجون جماعة الحوثيين منذ اختطافه في 9 يونيو/ حزيران 2015 ومحروماً من مرافقة أنفاس أبيه الأخيرة،
كان شقيقه الناشط عبدالكريم يعيش مرارة النزوح في محافظة مأرب شرقي صنعاء، والواقعة تحت سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مكبلاً بجدران خطوط التماس والمخاطر الأمنية التي منعته من عبور الحصار والمشاركة في تشييع الجثمان، ليموت الأب وتظل عائلته شتاتاً بين عتمة المعتقلات وقسوة المتاريس.
يقول عبدالكريم عمران، إن "اليمنيين شبعوا خطابات ولم يعودوا بحاجة إلى مزيد من الشعارات الجوفاء، بل هم في أمسّ الحاجة إلى دولة حقيقية تحمي الإنسان، وتصون كرامته، وتضمن حقه في الحياة والتنقل ولم شمل أسرته المشتتة"
مشدداً على أن "أي مشروع سياسي لا يضع الإنسان اليمني في مقدمة أولوياته، سيظل عاجزاً عن صناعة سلام حقيقي، مهما تدثر بعبارات الجمهورية أو الوحدة أو الوطنية".
ويحذر عمران من أن "محاولات إعادة إنتاج مشاريع حكم مغلقة قائمة على العنصرية والسلالية، لا تمثل تهديداً سياسياً عابراً فحسب، بل هي تهديد مباشر لمستقبل اليمن ووحدته الاجتماعية والتاريخية، ونسف صريح لتضحيات أجيال كاملة قدمت أرواحها للخلاص من تلك الحقبة المظلمة".
وبالتزامن مع الذكرى السادسة والثلاثين للوحدة اليمنية، يشير عمران إلى "مفارقة مؤلمة تجمع بين حلم اليمنيين القديم بدولة حديثة قامت على إرث ثورة 26 سبتمبر/ أيلول 1962 ضد النظام الإمامي الكهنوتي السلالي (مصطلح سياسي وتاريخي يُشير إلى حكم الإمامة في اليمن)،
وبين محاولات بعض القوى اليوم إعادة إنتاج منطق الماضي بأشكال جديدة تقوم على الإقصاء والتمييز وإحياء مشاريع ما قبل الدولة".
تمزيق الأسرة الواحدة
هذه المشاريع الإقصائية لم تكتفِ بتفريق الآباء والأبناء في حياتهم ومماتهم، بل امتدت لتزرع بذور تشظٍّ أخطر يستهدف عقول الجيل الجديد، ويمزق الهوية الواحدة داخل الأسرة الواحدة التي تقاسمتها جغرافيا الكانتونات، كما هو حال الأشقاء الثلاثة، محمد وماجد وعدي، الذين كانوا قبل اندلاع الحرب يقيمون في صنعاء مع أسرهم، حيث حرصوا على السكن في حارة واحدة للعيش كعائلة واحدة.
وكان محمد وماجد يعملان في القطاع الحكومي، بينما يعمل شقيقهما عدي في القطاع الخاص. بعد سنوات من الحرب، وجدت الأسر نفسها وقد تمزق شملها في ثلاث مدن،
فبينما توجه محمد وأسرته إلى العاصمة المؤقتة عدن ليمارس عمله هناك في إحدى الوزارات التابعة للحكومة المعترف بها دولياً،
نزح ماجد وأسرته إلى ريف تعز حيث منزل الوالد، في حين بقي عدي وأسرته في صنعاء مضطراً للحفاظ على لقمة عيشه التي يجنيها من العمل كمحاسب في شركة تجارية.
ويوضح محمد، جانباً من حجم المأساة التي أثرت على الجيل القادم المتمثل بالأولاد، بالقول: في عيد الفطر الماضي (20 مارس/آذار) اضطررنا جميعاً أن نقضي إجازة العيد في القرية بريف تعز لنشارك في عرس شقيقنا الأصغر، وخلال نقاشاتنا داخل الأسرة تطرقنا للحديث عن موضوع التعليم بعد أن لاحظنا سلوكيات متباينة لأطفالنا.
ويتابع: كان الوجع أن أبناء أخي ماجد لا يزالون يعيشون واقعاً دراسياً أقرب للطبيعي، حيث لا يزال يُرفع العلم الوطني في مدارسهم ويتم ترديد النشيد الوطني، بينما في مدارس عدن حيث يدرس أطفالي فيتم ترديد نشيد الانفصال في طابور الصباح، وتلقين الطلاب أفكاراً عنصرية ومناطقية،
والأشد وجعاً هو ما يعيشه أطفال عدي في مدارس صنعاء، حيث يضطرون لترديد الصرخة الحوثية في طابور الصباح، ويشاركون إجبارياً في المراكز الصيفية التي يلزم الحوثيون بها طلاب المدارس، ويتم تلقين الطلاب أفكاراً مذهبية وطائفية، وتدريبهم على السلاح، وترسيخ أفكار وثقافة الموت في عقولهم، وهذا هو الخطر الأكبر الذي يهدد الأجيال القادمة في اليمن".
ويرى عالم الاجتماع اليمني عبد الكريم غانم، أن "جيل الوحدة اليمنية ـ مواليد 1990 فما بعد ـ يعيش مفارقة فريدة، إذ وُلد في دولة موحدة اسمياً، لكن تجربته الحياتية تشكّلت بالكامل في ظل تفكك سلطة الدولة المركزية، ومن منظور سوسيولوجي، جرى هذا التأثير على ثلاثة مستويات رئيسية:
أولها تفكك الفضاء العام الموحد، وصعود الكانتونات التي قطّعت شبكات التفاعل اليومي، وحرمت الشباب من الاحتكاك المستمر، مما قاد إلى فقدان الإحساس بالمصير المشترك وتعزيز الهويات الفرعية (نحن وهم)".
ويضيف غانم: تمثل المستوى الثاني في احتكار الرمزية، حيث أنتجت كل سلطة محلية سرديتها وأعلامها ومناهجها وعملتها، وتعدد الرموز يقود بالضرورة إلى تعدد الولاء.
وتأتي تجزئة الاقتصاد كمستوى ثالث، إذ خلق اختلاف العملات وأسعار الصرف وقوانين السوق شعوراً بأن الوطن بات سلسلة دول مصغرة بقواعد مجزأة".
ويوضح غانم أن القيود على الحركة حوّلت السفر بين المحافظات إلى رحلة مخاطر وحواجز، مما حرم الشباب من اختبار التنوع الاجتماعي واستبدله بالصور النمطية لوسائل التواصل، لينتج عن ذلك غربة عن الآخر اليمني داخل الحدود نفسها، وينسحب هذا التجزؤ على العملة التي تمثل لغة الثقة اليومية، فوجود عملتين يزرع شكاً بنيوياً في فكرة العدالة الواحدة للدولة، ويتعمق هذا الانقسام عبر تغيير المناهج التعليمية.
فعندما يُدرّس التاريخ والجغرافيا بسرديات مختلفة، ينشأ جيلان يقرآن الأحداث كقصتين مختلفتين، وهو ما يمس قدرة الأجيال على التحاور مستقبلاً".
وفي ما يتعلق بالذاكرة البديلة، يشير غانم إلى "تحول مفهوم الوحدة من حلم منجز لدى الأجيال السابقة، إلى حلم مفقود لدى جيل الحرب الذي تشكلت ذاكرته عبر قنوات بديلة، منها السرديات المنقولة، والخبرة المضادة المتمثلة في تجربة التشظي اليومي وانهيار الخدمات، وأخيراً الهوية البديلة حيث ملأ الشباب الفراغ بهويات أضيق (محلية، قبلية، ومذهبية) توفر لهم حماية مباشرة".
ويؤكد غانم أن "قدرة جيل الحرب على الدفاع عن الوحدة ممكنة، ولكن بدوافع مختلفة، فلن يكون دفاعه عاطفياً قائماً على الحنين كجيل التسعينيات، بل سيكون دفاعاً استباقياً ووظيفياً كمشروع مستقبلي يوقف التفتت، وينطلق من فكرة أن تعدد العملات والجيوش لا يصنع حياة كريمة".
ويشدد على أن "التحدي الفعلي اليوم يكمن في إعادة بناء ثلاثة عناصر معاً: الفضاء المدني المفتوح، السوق الواحدة، والسردية التاريخية القابلة للتفاوض. فإذا بقيت الكانتونات قائمة، ستظل الهوية كانتونية حتى لو تغيرت الشعارات".
أخطاء النخب الحاكمة
بدوره يرى الباحث السياسي عادل دشيلة، أن أزمة اليمن الحقيقية لا تكمن في فكرة الوحدة ذاتها، بل في أخطاء النخب التي حكمت والصراعات السياسية والحزبية التي تلت تحقيقها، لا سيما بين تيار اليسار والتيار التقليدي، وصولاً إلى حرب صيف 1994 وما تلاها من سياسات إقصاء وتهميش".
وكانت وقعت في 1994 حرب الانفصال بين قوات الرئيس علي عبد الله صالح، الذي قُتل في 4 ديسمبر/كانون الأول 2017 على يد جماعة الحوثيين، والراحل علي سالم البيض.
ويوضح الباحث السياسي أن "فشل الدولة في إرساء مبدأ النظام والقانون أدى في نهاية المطاف إلى التشظي وظهور كيانات ما دون الدولة، تحولت في الجنوب من المطالبة بالحقوق إلى المناداة بالانفصال، بينما ظهرت في الشمال جماعة الحوثيين التي تنادي بتأسيس دولة على أسس مذهبية وأيديولوجية غير مألوفة.
وبسبب الارتباط العضوي لأطراف النزاع الداخلية بالقوى الخارجية، بات اليمن مسرحاً لمشاريع متداخلة عاجزة عن إنتاج رؤية وطنية موحدة للخروج من المأزق، واستدعاء لصراعات ما بعد ثورة 1962".
ويؤكد دشيلة أن "إيجاد توافق سياسي يمني اليوم يتطلب بالضرورة توافقاً إقليمياً بغطاء دولي يرعى مصالح الدول المؤثرة، وطالما بقيت الفجوات واسعة بين هذه الأطراف، فإن الصراع سيطول لأن اللعبة خرجت من يد اليمنيين".
ويشير إلى أن "الحديث التقليدي عن انقسام اليمن إلى شمال وجنوب أصبح من الماضي في ظل وجود مظالم تاريخية تشمل كافة المناطق، ملامساً تقسيم البلاد فعلياً إلى ثلاثة أقاليم جغرافية، شرقي، وجنوبي، وشمالي، لكل منها قواه وصراعاته،
والخروج من هذا النفق ممكن عبر مشروع الدولة الوطنية الاتحادية، كون الدولة المركزية لم تعد صالحة، وخيار الانفصال غير وارد لرفضه الواسع ووجود جغرافيا كبرى في الشرق تعرقل هذا التوجه".
ويحصر دشيلة مستقبل المشهد في "ثلاثة خيارات محتملة، أولها والأكثر نجاعة هو إيمان القوى المتصارعة بالشراكة وبناء الدولة الاتحادية بدعم خارجي لتحقيق مصالحة وطنية.
أما الخيار الثاني والأسوأ، فهو تمسك كل طرف بمشروعه دون القدرة على فرضه مما يمدد الصراع. بينما يتمثل الخيار الثالث في أن تتفق القوى الإقليمية وتفرض رؤية سياسية تتناسب مع مصالحها وتتحكم بالكامل في مستقبل وبنية الدولة اليمنية".
فخر العزب
صحافي يمني